مصطلح "الظلم" في القرآن الكريم

مصطلح الظلم لغوياً الموقف من الظلم/ استحقاق الظالم ـ والمظلوم
الظلم ـ فلسفياً ظلم الآيات وتجاوزها وتحريف الحق والدين
الظلم ـ كحالة نفسية واجتماعية الاصلاح ومواجهة الظلم لمنع وقوع الهلاك
الظلم في المنظور العقلي الظلم اساس الثورات
الظلم في المنظور القرآني مستضعفون ومستكبرون
دوائر الظلم الاربع ابواب السماء مفتوحة للمظلومين
المجتمعات الظالمة نتيجة الظلم
المجتمعات المناضلة الخاتمة

 

مقدمة

 

   من الظواهر البارزة في حياة الإنسان منذ بدئها في قديم الازمان، وحتى بلوغ هذه الايام، ظاهرة الظلم، تلك الظاهرة التي شغلت مساحة واسعة،  في ما وصل الينا من مأثور الحياة الانسانية جماعاتٍ وافراداً على ظهر هذا الكوكب، فقد تجلّت في نُقول التاريخ الانساني قديماً وحديثاً، كما تجلّت في الكثير من نصوص الآداب العالمية شعراً او نثراً، ونحتت بإزميلها القاسي على وجه حضارة الإنسان نقوشاً، وتركت ندبات عميقة تحكي قصة ذلك الظلم، كما تركت علامات تاريخية بارزة على ظهر الارض تحكي فصولاً مريرة من ظلم الإنسان للانسان وتسخيره اياه لأغراضه، والناس يعدّون تلك العلامات انجازات معمارية وشواهد باقية للوجه المشرق من حضارة الانسان، ومن تلك الشواهد: الاهرامات والعجائب الباقية من العجائب السبع وغيرها.

  واليوم  اذ تتصاعد المطالبة بحقوق الإنسان ـ التي يمكن اعتبارها سمة ما بعد الحرب الباردة وما بعد الحداثة ـ فقد أضحت مفتاحاً لما انغلق من الانظمة الشمولية او المستبدة، واعتمدها النظام  العالمي الجديد مدخلاً تجاوز فيه  مقدمة السيادة للبلدان والدول، وقد ساهم ايضاً في تغيير سلوك الحكام او تبديلهم تحت يافطة احترام حقوق الإنسان ، التي هي عنوان آخر لمنع الظلم الفردي او الجماعي من وجهة نظر معاصرة، كما استخدمها غطاءاً شرعياً لظلم الآخرين والتجاوز على خصوصياتهم.

  ولعل من المفيد الاشارة الى ان الحقوق العامة امر إنساني قد لا يُختلف فيها بعنوانها الاولي، وان اختلف في بعض مصاديقها، او في الحكم على هذا السلوك أو ذاك بأنه ضمن دائر ة التجاوز أوْ لا.

   ولعل الاخذ بفكرة ان الحسن والقبح العقليين عقليان، وليس فقط ما حسّنه الشارع اوالقانون أو قبّحه، لعل ذلك يدعم ان الحقوق من المقولات الانسانية العامة، ويمكن الاحتكام اليها استناداً الى تقرير العقل العملي وأحكامه في ماينبغي ان يُفعل وما ينبغي ان يُترك.

  وبذلك يمكن القول ان الظلم فعل مرفوض انسانياً، وفق تقرير العقل العملي، الذي يقرر بأن الظلم مما ينبغي ان يُترك بشكل عام، بغضّ النظر عن اوامر الشريعة، فان اوامر القران والسنة بمجانبة الظلم انما هي اوامر تأكيدية لا تأسيسية، أي انها لا تؤسس امراً جديداً بقدر ما تؤكد امراً جذوره موجودة في النفس الانسانية، وتدعو اليه فطرتها.

قال تعالى: {.... إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}"ابراهيم /34"

  وسوف يتناول البحث مفهوم الظلم لغوياً وفلسفياً ونفسياً واجتماعياً، ثم تقسيمه عقلياً، ثم النظر فيه قرآنياً، والحديث عن دوائر وقوعه في مجالات الحياة، والموقف منه، واستحقاقات الظالمين والمظلومين، ونتائج الظلم.

الاعلى

 

مصطلح الظلم لغوياً:

   ورد في مفردات غريب القرآن للراغب الاصفهاني، في كتاب الظاء منه، (الظُّلم... عند اهل اللغة وكثير من العلماء وضع ا لشيء في غير موضعه المختص إما بنقصان او بزيادة أو بعدول عن وقته او مكانه، ومن هذا يُقال ظلمتُ السِّقاء اذا تناولته في غير وقته.. ويسمى ذلك اللين الظِلم.

  وظَلمتُ الارض حفرتها ولم تكن موضعاً للحفر، وتلك الارض يقال لها المظلومة، والتراب الذي يخرج منها ظِلم.

  والظلم يقال في مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة، ويقال في ما يكثر وفي ما يقل من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير، ولذلك قيل لآدم في تعدّيه ظالم، وفي ابليس ظالم، وان كان بين الظلمين بون بعيد..).

  وعند تحليل قول الراغب نجد انه يرى ان الظلم هو وصف للفعل، بل هو حكم على أداءٍ معين، هذا الاداء او الفعل يُحكم عليه بالخطأ او عدم الصحة او التجاوز، سواء أكان هذا التجاوز من ناحية النقص ام الزيادة، فهو خلل في استحقاق موضوع معين، فلم يتم التعامل معه بما يناسبه وبما ينبغي التعامل معه بما يفرضه موقعه او وظيفته او استحقاقه سواء أكان لنقص أم لزيادة، وهذا بحسب الموضوع، او بحسب عدم تناسب بالمكان او بالزمان، أي بلحاظ الظرف  المحيط بهذا الموضوع والذي يستوجب تعاملاً معيناً يتناسب مع الموضوع او الشيء، بلحاظ الظرف الزماني او المكاني او ارتباطه بشأن او موضوع آخر.

  ويضرب الراغب امثلة للتعامل غير المناسب مع الاشياء المادية، كالارض او اللبن، عندما يتم التعمال معهما بشكل لا يتناسب معهما، سواء في الحد الكمي، ام في الوقت، فأن الشيء (اللبن او الارض) تسمى المظلومة، والذي جرى به الفعل الظلم.

  ومن هذا السلوك في التعامل مع الاشياء، يؤسس للتعامل مع المواضيع الاخرى غير المادية، مثل تجاوز "الحقوق"، ويدخل في باب التجاوز والتعدي بلحاظ الزمان، حيث تخلّف عنه زماناً، او فارقه في غير وقته، او في غير مكانه، وظرفه وحاله، فهو تجاوز على شأنه، او على استحقاقه، ليس بلحاظ الحق نفسه، وانما يُلحظ هنا ان الحق لشيء او لموضوع ليس ثابتاً ولا غير متغير، وانما هو قابل للتبدل، او لأخذ عناوين اخرى، ويتسع او يضيق فيها حدود الشيء او الموضوع، فيكون حقه متغيراً ومتبدلاً تبعاً لتبدل الزمان او المكان او الحال.

  فحقوق الاشياء او المواضيع اوالعناوين، وبغض النظر عن كونها مادية او اعتبارية، ليست ثابتة او محددة، وهذا يعطي مجالاً واسعاً للفعل العملي لرسم صورة الحقوق وحدودها، بلحاظ المناسب وغير المناسب كماً وعدداً وشأناً، وبلحاظ الزمان والمكان والحال، أي بلحاظ المنطقة وعاداتها واجوائها الاجتماعية والجغرافية، وهكذا.

  وملخص تحليلنا لهذا المدخل اللغوي، هو ان الظلم حكم عقلي على سلوك وفعل يتسمان بالتجاوز على ما يناسب الموضوع من اجراء وتصرف في التعامل معه، فهناك موضوع او شيء، ولهذا الشيء او الموضوع حدود للتعامل نسميها حقوقاً، أي الحد المناسب للشيء او الموضوع بما يحمله استحقاقه في التعامل المناسب مع شيئه وموضوعه وشأنه، ان التجاوز على هذا الحق او الشأن او الحد يسمى ظلماً، ويتغير ويتبدل زماناً ومكاناً وحالاً، ومثاله: ان شأنية القلم الكتابة، والكتابة هي التعامل المناسب للقلم، وهو حقه، وبما يتناسب مع ما وضع له ووضع من أجله، فعندما يستخدم القلم لغير ما صنع له، ويُتعامل معه في غير قدرته وشأنه وحدّه وخصوصيته، فبدلاً من استخدام القلم للكتابة، فيستخدم في الضرب او نبش الارض او ما شابه، هنا يقال ان هذا التعامل مع القلم بهذه الطريقة هو ظلم، والقلم هنا مظلوم.

  وعلى هذا الاساس لا يمكن اصدار حكم الظلم على شيء دون معرفة حدّه واستحقاقه، أي ما هي شأنية هذا الشيء، ولأي هدف صنع او خلق، حتى يمكن القول ان الفعل الفلاني يتساوق مع حده وشأنه وما خلق له وصنع لأجله.. او لا ينسجم معه.

  فلا ظلم دون تحديد الحق، ولا حق دون تحديد ما هية الشيء وظرفيته، ويقابل الظلم هنا العدل.

  يقول الراغب الاصفهاني: إن (العدالة لفظ يقتضي معنى المساواة ويستعمل باعتبار المضايفة، والعَدل والعِدل يتقاربان، لكن العَدل يستعمل في ما تدرك بالبصيرة للاحكام، والعِدل والعديل في ما يُدرك بالحاسة للموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعدل هو القسط على سواء، وهو ضربان، مطلق يقتضي العقل حُسنَه، نحو الاحسان الى من أحسَن اليك، وكف الاذية عمّن كفّ أذاه عنك، وعدك يُعرف كونه عدلاً بالشرع.

الاعلى

 

الظلم ـ فلسفياً:

  الظلم من مقولات الافعال وليس الاشياء، فهو من مقولات الجعل، وليس الخلق، وهو من مقولات التناسب بين الاشياء والموضوعات، وعليه فهو يقع في دائرة العقل العملي وليس النظري عند البحث في ماهية الاشياء.

  وكما يُذكر في محله فان مباني العقل العملي تستند وتؤسس على ان الفاعل بامكانه وبدون الاتكاء على نص ان يصل الى حُسن فعل ما أو قبحه، وبالتالي على العمل به أو رفضه بشكل عام وفق تحديد لتفاصيله او حدود التعامل معه، مع لحاظ الزمان  والمكان، ويُضرب مثل على ذلك في ان الظلم قبيح لا يحتاج الى دليل شرعي في ذلك، واذا وجد نهي او منع من الشرع فهو من باب التأكيد على هذا الامر العقلي، وليس تأسيساً لشيء جديد لا وجود له في النفس الانسانية.

  في مقابل المدرسة الشرعية التي ترى ان الحسن والقبح شرعيان، وان الافعال لا يمكن الحكم عليها بالحسن او القبح اذا لم يحددها نص شرعي، فالظلم قد يكون حسناً اذا امر به الشارع، والعدل قد يكون قبيحاً اذا نهى عنه الشارع، فيما يقول الاخرون بأن الشارع لا يمكن ان يأمر بالقبيح، ولا يمكن ان ينهي عن الحسن، والذي هو حسن بنظر العقل، لان الشارع عاقل حكيم فلا يأتي فعله أو أمره مناقضاً للحقيقة.

  فالظلم مفهوم اوسع من عدم الحكم بالعدل في التخاصم والدعاوى، بل هو وصف لسلوك عام في المواضيع والاشياء بما لا ينسجم معها، فهو هنا يشمل الخطأ ايضاً، ويشمل مالا يتناسب مع الاخلاق. فهو اعم من عدم الحكم بالعدل بين المتخاصمين، فقد يكون ظلمٌ وليس هناك  تخاصم او دعوى.

   وبذلك فان الظلم عموماً مرفوض مطلقاً فطرياً، وتترفع عنه النفس الانسانية السوية. لذا نجد ان هناك رفضاً مطلقاً لصنعة الظلم حتى من قبل الظالم نفسه، فالظالم يستنكف ويرفض ان يقال عنه انه ظالم، بل يعاقب من يصفه بذلك.

الاعلى

 

الظلم ـ كحالة نفسية واجتماعية:

   خلق الله البشر متفاوتين في قابلياتهم وقدراتهم العقلية والنفسية والجسمية، ولما كان البشر يسعون من اجل تحقيق متطلباتهم الحياتية، برزت ظاهرة الاستخدام، حيث ان بعضهم بحاجة للبعض الآخر، وبعضهم يسخّر الآخر، ويبقى الاقوى والاذكى والاكثر حظاً هو الاقدر على استخدام غيره، وهذه سنة الحياة التي جعلها الله حاكمة على حياة الإنسان على مر العصور.

  ثم تحولت ظاهرة الاستخدام الطبيعية تدريجياً الى ظاهرة "الاستغلال"، وهي احدى اوجه الظلم التي يشير اليها القرآن الكريم في ظلم الإنسان للانسان، وبمختلف اشكاله، مثل استغلال الحاكم لامة، او استغلال امة لامة، او حاكم لفئة، والعنوان العام الذي يقابل ظاهرة الظلم المستند الى قاعدة تحوّل الاستخدام الى استغلال، هو العدل والانصاف الذي امر به الانبياء، ودعا اليه الرسل عليهم السلام.

  ولعل الذي يجعل الإنسان اكثر ظلماً، او اقرب الى دائرة التجاوز على حقوق الآخرين واستغلالهم، هو قدرته على التحكم بأحوال الاخرين وامورهم، مما يجعله يتصف بالطغيان والخروج عن الموازين، سواء أكان هذا التحكم منشؤه السلطة "الحكم" أم كان منشؤه القدرة المالية او الجسدية او العقلية التي تجعله يشعر بالزهو والمكنة فيطغى، {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} "العلق/6ـ7"، فمن هنا كان القرب من الله يمنع هذا الشعور بالكبر والاستغناء عن الله او عن الآخرين، وفي ذلك تفسير لظاهرة الظلم الفردي او الجماعي، السلطوي السياسي او الاجتماعي.

الاعلى

 

الظلم في المنظور العقلي:

  يورد القرآن الكريم مصطلح الظلم كثيراً، وباستعمالات متعددة ومختلفة، واذا اردنا تصنيف الآيات التي ورد فيها مصطلح الظلم، وفق التصنيف الذي يأخذ الجهة التي وقع عليها الظلم، فيمكن ان نصنف الموضوع وفقاً لما يلي:

1ـ ظلم الإنسان نفسه، والتعامل معها بما لا يناسبها.

 

2ـ ظلم الانسان ربه ، والتعامل معه بما لا يناسبه.

 

3ـ ظلم الإنسان للانسان، والتجاوز على حقوق الآخرين كأفراد.

 وهنا يمكن ان نذكر عدة حالات:

  ظلم الإنسان لجماعة، ظلم الحاكم لشعب او قوم معينين، ظلم جماعة لجماعة، تعدّي قوم على قوم (صراع  بين الدول والقبائل، او نساء على رجال وبالعكس او الشباب)، ظلم جماعة لفرد، تعدّي المجتمع على افراد او مجموعات داخل المجتمع، قال امير المؤمنين عليه السلام: [ولقد اصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها، واصبحتُ اخاف ظلم رعيتي].(1) (1ـ نهج البلاغة / شرح محمد عبدة /1/187 ـ188.(

4ـ ظلم الإنسان لغير الإنسان (الطبيعة، الحيوان).

  وقد يُصنف الظلم (التجاوز على الحقوق) على اساس آخر يُلحظ فيه الكم والدرجة.. فهناك ظلم كبير، او أشد الظلم، وظلم صغير، فالشرك مثلاً ظلم كبير، وهناك ظلم اقل حدةً او درجة منه.

  وقد يصنف بلحاظ آثار الفعل واستحقاقه، فقد يكون استحقاقه دائمياً، وقد يكون مؤقتاً، او قابلاً للمعالجة.

  وقد يُلاحَظ الموضوع "الظلم" بلحاظ الفاعل "الظالم"، قاصداً او غير قاصد، مجبراً او مخبراً، او بلحاظ من وقع عليه الفعل "المظلوم" وحقه في الرد واسترداد الحق، وقد يُلحظ الفعل نفسه "الظلم" ودرجته، وكونه دائمياً او مؤقتاً، قابلاً للعلاج والتجاوز ام لا.

  وقد اشار القرآن الكريم الى هذه التصنيفات والتقسيمات العقلية جميعاً، بمختلف اساليب البيان، وفي مختلف المواضيع، وتؤكد ان القرآن الكريم استخدم مصطلح الظلم بمعناه الواسع الذي يشمل تجاوز الحق، سواء أكان خطأً وسوء تعامل أم كان يتعلق بالتقاضي بين الطرفين.

  فالاستبداد وتجاوز المرء والعصيان والفسق وتجاوز الخلق الكريم، كلها قد ترد في دائرة الظلم بمعناه الواسع.

  ويمكن ايضاً ان نبحث من زاوية الظاهرة الاجتماعية الفرق بين الظلم والكفر، والظلم الاجتماعي والكفر، ومقولة ان الملك يدوم مع الكفر، ولا يدوم مع الظلم، ضمن البحث القرآني.

الاعلى

 

الظلم في المنظور القرآني:

 الظلم ظاهرة انسانية:

    ليس في الطبيعة ظلم، فالخلق منسجم مترابط يكمل بعضه بعضاً، وإنْ بدت الصورة احياناً خلافاً لذلك بحسب الظاهر.

  فالأسماك الكبيرة تأكل الصغيرة، ظلم أم حق، أم هو ما جعل له وصُنع لاجله...؟

  الإنسان يقتل الحيوان ويأكله، ظلم وتجاوز ام تناسب وترابط.

  الزلزال يقتل الابرياء من الناس، ظلم الطبيعة للانسان وتجاوزها عليه ام هو تحقيق لمنفعة اكبر وايجاد للتوازن، أم هو نتيجة لما كسبت ايدي الناس؟

  الوباء الذي يفتك، وقدرة الإنسان على التدمير، الفتك بالاشجار، تلوث المياه..هو ظلم في الخلق ام شيء آخر وراء ذلك؟

  وعندما يقول القرآن ان الظلم ظاهرة انسانية فانه يقرر بذلك اموراً، منها: ان الإنسان يمتلك ارادة، وان المشيئة الالهية قدرت ان هذه الارادة مسموح لها بتجاوز الحقوق، على ان الظلم ليس مفروضاً على الله او خارج مشيئته، ولكنه امر لا يريده، بل يشاؤه اذ جعله ضمن سلطة الإنسان وحدود ارادته.

  والله سبحانه في الوقت نفسه لا يطلبه ولا يريده للانسان، وهذا التفصيل والتفريق بين الارادة والمشيئة يفسر لنا وقوع الظلم او الخطأ او تجاوز الحقوق.. مع كونها اموراً حرّمها الله وحذر منها وعاقب عليها.

  وعلى هذا فما هو مرتبط بالارادة الالهية يكون متسقاً ومنسجماً ومترابطاً وفيه حكمة، وما كان مرتبطاً بالمشيئة الالهية فقد أحاله الله لارادة الإنسان في فعله او تركه، فالانسان مسؤول عنه، وهي الدائرة التي يقع عليها وصف الظلم او العدل، أي دائرة الفعل الارادي.

  ان هذه القاعدة العامة التي يؤسسها القرآن الكريم، والتي يقرر فيها ان الفعل الصادر من الله، كنظام الكون والطبيعة، هو فعل يتسم بالحكمة والعدل والانسجام وليس فيه ظلم. وان ظاهرة الظلم منشؤها ومصدرها هو الإنسان فقط " الانسان كفرد او كمجتمع"، وما ينعكس من هذا الظلم على الحياة والطبيعة والحيوان والنبات سوف يشيع ظلماً آخر وفساداً وخراباً، لكونه خروجاً على السنن الالهية للحياة الانسانية او الطبيعة، والظلم تحدٍّ للفطرة وللسنن، وآثاره وان كانت ثقيلة ومؤثرة، الا انها قابلة للزوال والانتهاء، ولا  يمكن ان تدوم، وهي صائرة الى الزوال.

  هذا هو المنطق القرآني العام في نظرته الى الظلم، بشكل مجمل. لاحظ الآيات:

{... إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}"ابراهيم /34"

{... وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} "الحج/10"

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} "الانبياء/105"

  وإذ تَقرّر ان الظلم هو تجلٍّ للسنة الالهية التي شاءت ان يكون الإنسان مختاراً، ومسموحاً له بتجاوز الحدود او الحقوق او سفك الدماء، فان الارادة الالهية التي تحقق هذه المشيئة باعطاء هذه السلطة للانسان على افعاله، هي تَجلٍّ آخر للحكمة والتدبير الالهي لهذا العالم، وبالتالي يكون الظلم ايضاً تجلّياً لحكمة إلهية، في مكابدة الإنسان نحو الكمال، ونضال البشرية نحو العدل والاستقرار، حتى وان استلزم ذلك سفكاً للدماء وتجاوزاً للحقوق، وتصبح أنات المظلومين وصيحاتهم وآلامهم خطواتٍ على الطريق، وتسبيحاً للوصول، كما هو تسبيح العاشق وذكر العارف السائر الى الله.

الاعلى

 

دوائر الظلم الاربع

ـ الظلم في الدائرة الاولى / ظلم الإنسان نفسَه:

  الظالم دائماً هو الإنسان ، حيث ان الذي يقوم بفعل الظلم هو الإنسان ، والفاعل هنا هو الإنسان... فهو الظالم، اما من يقع عليه الظلم أي المظلوم، فهو نفس الإنسان (جسده وروحه ونفسه)، يقع عليها اثار الظلم، وعملية الظلم في هذه الدائرة تسمى "المعصية" وايذاء النفس والخطأ بحق النفس.

 

 ويمكن  اعتبار كل الافعال التي تتجاوز الاوامر القرآنية المتعلقة بالانسان نفسه، كالعبادات (صلاة وصيام...)، وكل النواهي المتعلقة بفعل الإنسان في دائرة نفسه (كشرب  الخمر او التخمة او قتل النفس او ايذائها او اهانتها...) كلها من المحرمات والمعاصي التي تكون دائرتها الإنسان هو نفس الإنسان، سواء في بنائه الجسدي او النفسي او في مسار وصوله الى الآخرة.

 

  اما من حيث اثارها وامكانية علاجها... فالقرآن يقرر ان التوبة باب مفتوح لمحو السيئات واسترجاع الارادة لتصحيح الفعل، والتصميم على الترك، واستئناف العلاقة مع الله.

  وفي هذا المجال تكون كل الذنوب مغفورة، مع مراعاة شروط التوبة والاستغفار.

 قال امير المؤمنين عليه السلام (لقائل قال بحضرته استغفرُ الله: ثكلتكَ أمّك أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليِّين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ: اولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود اليه ابداً، والثالث ان تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة، والرابع ان تعمد الى كل فريضة عليك ضيّعتها فتؤدي حقها، والخامس ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السَحتِ فتذيبه بالاحزان حتى تُلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس ان تذيق الجسم ألم الطاعة ما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول استغفر الله).(2) (2ـ نهج البلاغة / شرح محمد عبدة /3/233ـ234.)

  قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}"النساء/110"

{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} "النساء/64"

وقال تعالى: {قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقتطعوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} .

الاعلى

 

ـ الظلم في الدائرة الثانية / ظلم الانسان ربَّه (الشرك بالله):

  الرب والخالق جل جلاله عناوين ينجذب اليها كل انسان في حياته وفي اوقاته المختلفة، وتميل اليها فطرته، وتخضع نفسه، انها مأوى وملجأ كل نفس، وموضع مآل كل عقل، فبالله تستقيم النفوس وتأمن العقول ويقوّم السلوك، وان أي خلل في فهم هذه الحقيقة، او الخضوع لغيرها من الاوهام المصطنعة والطواغيت التي تفرض وجودها على الإنسان يقيد روحه وفكره وحياته، ويمنع البشرية من الانطلاق في مسيرة التكامل والنمو.

  الشرك ظلم لانه يترك الانسان حائراً، ولانه سير في غير الطريق، ولانه لا يوصل الى خير، ولانه مضيعة جهد، وبناء على رمل وخسارة في طاقة.

الشرك ظلم عظيم، فهومن الذنوب التي لا تُغفر، والله غفور رحيم. كذلك فالشرك بهذا الاعتبار يعم الافراد والامم.

  ان الفاعل للظلم ههنا هو الإنسان ، والذي وقع عليه الظلم هو الإنسان ايضاً، ونتيجة ذلك الضياع والتيه، ان الإنسان هو الذي يقع عليه الظلم وليس الله.

قال تعالى: {.... وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} "الاعراف/160".

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ} "البقرة/54"

الاعلى

 

ـ الظلم في الدائرة الثالثة / ظلم الإنسان للانسان "ذنب معلق"/

   الظالم هو الإنسان (فرداً او جماعة)، والجهة التي وقع عليها الظلم هو الإنسان الاخر (فرداً او جماعة)، وموضوع الظلم هو حقوق الاخرين (فرداً او جماعة)، ومظاهر هذا الظلم، التعدي على الحقوق والاستعباد والاستبداد والدكتاتورية والاستعمار، ونتيجته ضياع الحقوق، وفقدان التوازن الاجتماعي، والخراب، والفساد في الارض.

  فعندما يظلم فرد امةً، فهو الحاكم المستبد الظالم الدكتاتور، امثال فرعون. وعندما تظلم امة فرداً او مجموعة، فهي امة السوء، والقوم الفاسدون، كصلبهم الانبياء. وعندما تظلم امةٌ امةً فهو الهيمنة والاستعمار.

  وهذا الظلم هو موضوع البحث القرآني، والاكثر تكراراً في القرآن هو تخصيص الناس في ظلم بعضهم بعضاً، او ظلم فرد لفرد او افراد، وهو الاعتداء على حقوق الآخرين، او غصبهم حقهم والتجاوز عليهم.

  وتلك المظالم التي يقترفها العباد بحق بعضهم، من المواضيع الحساسة التي تُعدّ باعثاً وسبباً لارسال الانبياء من اجل اقامة العدل والاصلاح بين الناس، ومن اجل مواجهة الظلم بكل صوره، ظلم الحاكم للمحكومين (فرد لأمة)، وظلم امة لامة، وظلم الامة للفرد، وفقاً لسنة التدافع {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} "الحج/40".

الاعلى

 

ـ الظلم في الدائرة الرابعة/ ظلم الإنسان للطبيعة (نبات،حيوان،بيئة):

  ان الذي يقوم بالظلم (أي فاعل الظلم) هنا هو الإنسان ايضاً فرداً او جماعةً او نظاماً، وان الجهة التي يقع عليها الظلم هي مفردات الطبيعة (المياه والنباتات والبيئة بمشتملاتها... والكون)، وموضوع الظلم هو تجاوز في الاستعمال كماً او نوعاً، والخروج عن الحدود في التعامل مع الطبيعة.

  ويشير القرآن الكريم الى ذلك الظلم والتجاوز، اذ يقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} "الروم/41".

  وتتجلى مظاهر هذا الظلم في تجاوز النعمة، والكفران بها، والتبذير والاسراف، والفتك بالطبيعة (من حيوان ونبات وغيرهما).

  وبحسب السياق القرآني فان الطبيعة في خدمة الإنسان، وهي مسخرة له ومخلوقة من اجله، ولكن عندما يتم التعامل معها خارج حدود استحقاقها وبدون رعاية مناسبة لها، فان ذلك ظلم لها يترتب عليه فساد عام في الارض، ينعكس على مسار عطاء الطبيعة وعملها وأدائها، وبالتالي ينعكس هذا الخراب والفساد على حياة الإنسان.

قال تعالى : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} "يونس/13"

قال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} "الكهف/33"

قال تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}"ابراهيم /34"

  فالقرآن يثبت ان الطبيعة معطاء، وان رحمة الله واسعة وشاملة ودائمة وعامة زماناً ومكاناً وأحوالاً، اما الظلم فهو حالة ضيقة ومحددة، مصدرها الإنسان الجهول والظلوم، فالجهل يؤدي الى الظلم حتماً.

الاعلى

 

المجتمعات الظالمة:

  يتعرض القرآن الكريم الى لمجتمعات والدول ويصفها بالظلم، {.. الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ..} "النساء/75"، والسؤال هنا هو: كيف يصبح الظلم الذي هو ظاهرة فردية أو وصف لسلوك فردي ويتحول الى صفة لقرية او مجتمع كامل بعلاقاته وهيئاته؟

وبكلمة اخرى: الظلم قد يكون فعلاً لافراد في المجتمع كالسراق والمستغلين والمعتدين على حقوق الاخرين.

  والظلم قد يكون صفة للحكام عندما يجورون ويعتدون على حقوق المواطنين، ولكن كيف يكون الظلم صفة لمجموعة او مجتمع بأكمله (القرية الظالم اهلها)؟ وفي معرض الجواب هناك اكثر من احتمال.

الاول: ان القرية اوالدولة في نظامها الاجتماعي والاداري مبنية على اساس وقواعد فيها تجاوز على حقوق العباد أو رب العباد، كالانظمة الاستبدادية، وبالتالي يمكن اطلاق صفة الظلم على هذه المؤسسة او الكيان او الوجود الاجتماعي.

الثاني: ان الاتجاه العام السائد في هذا المجتمع هو الاعتداء والاسراف والتجاوز، سواء على الطبيعة او العباد او رب العباد، وكما هو معروف ان الاحكام عندما تجري على وضع اجتماعي معين فانها تجري على الغالب السائد والشائع، ولا تحسب على حساب فرد أو آخر، فالقرية الظالم اهلها  هي القرية التي تمثل مجتمعاً يكون  القوي فيه هو المتحكم بالحقوق والمصالح، والحق للقوي وان كان على باطل او خطأ، كما هو الحال في قوم شعيب مثلاً.

  أو ان القرية الظالم اهلها هي القرية التي يعيش اهلها الاسراف والتبذير والبطر في تعاملهم مع الطبيعة، ومع مواردها وخيراتها، فتكون ظالمة من هذه الجهة من خلال النظام المعاشي لها، كما في قوم ثمود مثلاً.

  ويحل العذاب والهلاك والاضمحلال على هذه المجتمعات والانظمة والمؤسسات (كالاحزاب)، وان كان فيها بوادر خير، ورجال يعتمدون العدل، وبيوت حريصة على عدم التجاوز، وشخصيات ملتزمة بالقواعد السليمة، لأن قانون الهلاك والاستبدال والاضمحلال يقع على عنوان النظام والقرية والمؤسسة والمجتمع، بشكله العام، والحاكم على المجتمع ككل، وليس على هذا الفرد او ذاك، وهذا الامر يفسر لنا الآيات والروايات التي تشير الى نزول العذاب على قرية فيها صالحون، لكن الغالب عليها هم الطالحون، فلا يمنع وجود الصاحلين نزول العذاب وشمولهم به لانهم كانوا جزءاً من هذا المجتمع، كالجسم المريض، الذي يكون مرضه بسبب من جزئه، وليس  من كله، فانه يعالج ككل، وقد يموت  بسبب مرض هذا الجزء الحساس الحاكم على مجمل الجسد.

الاعلى

 

المجتمعات المناضلة/

  تُعدّ المجتمعات الظالمة باتجاهها العام ظالمةً، على الرغم من وجود الصالحين فيها، وذلك بسب كونهم غير مؤثرين، فهم مكتفون بصالحهم لانفسهم، وقد يكون عددهم لابأس به او كبيراً، ولكنهم لا يشكلون ظاهرة تستطيع ان تغير من هوية هذا المجتمع او الكيان باعتباره ظالماً، ويسير بظلمه نحو الهاوية والهلاك.

  اما اذا كان في داخل المجتمع او الكيان وجودات فاعلة، وان كانت صغيرة او محدودة العدد، لكنها فاعلة ومتحركة ومؤثرة في صورة الحياة وواقعها، ومساندة في هذا المجتمع، بحيث يعيش المجتمع الظالم من خلال وجود هؤلاء مشكلة وأزمة وتحدياً داخلياً ومكابدة تنعكس على صورة الحياة وواقعها، فان هذا المجتمع وان كانت صورته العامة تقع في دائرة الظلم، الا انه لا يكون مشمولاً بقانون الهلاك والانحدار والتلاشي، بسبب وجود هذه الظاهرة الاصلاحية في داخله، الا ان يُحدد المجتمع موقفه من هذه الظاهرة الاصلاحية، هل هو معها او ضدها، وعند ذاك يحكم المجتمع على نفسه بالحياة او بالموت والهلاك.

  فوجود المصلحين وليس الصالحين، والمصلحين الفاعلين المؤثرين وليس الكامنين او المحدودين، هو الذي يحيي المجتمعات ويعطيها املاً بالنمو.

  فالمجتمعات المكابدة المتحركة المضحية الشجاعة يُكتب لها النمو وتجاوز عقبات الظلم وسيئاته.

  اما المجتمعات المستسلمة للظلم او للظالم والمتجاوبة معه، والراضية به والمبررة له، فانها لابد ان تنتهي يوماً شر نهاية، بهلاك وتخريب وتعاسة، هذه سنة الله في المجتمعات، ذكرها القرآن الكريم واكدها اكثر من مرة،

{وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} "القصص/59"

{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}"هود/102"

{وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم  وهم يستغفرون}

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} "هود/117"

الاعلى

 

الموقف من الظلم/ استحقاق الظالم ـ والمظلوم:

  يعرض القرآن الكريم صوراً للموقف من الظلم بأشكاله المختلفة التي اشرنا اليها.. ظلم الانسان نفسه، أو ربه، او الآخرين، وظلم الفرد للجماعة، او الجماعة للفرد، او الجماعة للجماعة.

  كما يشير القرآن الى الظالمين ويوليهم الاهتمام الخاص بهم منبهاً الى طريقة التعامل معهم، وحقيقتهم ومصيرهم وطبيعة عملهم.

  فمن هم؟ وما هو مصيرهم؟ وما هي طبيعة عملهم؟ وما  هي السنن التي تتحكم بهم؟ كذلك يشير القرآن الى المظلوم الذي وقع عليه الظلم، والى حقوقه، والى السنن التي تتحكم به.

  كما يوضح القرآن عملية الظلم، وحكمها، والسنن العاملة في هذا المجال.

  فعند حديثه عن المظلوم، يذكر القرآن الكريم مجموعة مواقف يجعلها حقاً للمظلوم في الدفاع عن نفسه، منها:

1ـ الهجرة، وترك المجتمع الظالم  لنفسه:

بحث القرآن اتباعه ممن يعيشون في المجتمعات الظالمة التي تقيد حريتهم وتسلب حقوقهم وتستضعفهم، ولا يستطيعون ان يغيروا او يبدلوا،  يحثهم على الهجرة الى اماكن ومجتمعات تكون فيها فرصة الحرية اكبر، ويكون مجالهم فيها لنيل حقوقهم اوسع، وقد سبقت الهجرة من افراد ومجتمعات وطوائف نالت حقوقها وحرياتها بتلك الهجرة، فالهجرة موقف يمثل رفض الظلم، ومواجهة الظالم بالخروج من دائرته ومجال تأثيره وسطوته، {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} "النساء/75"

 

{أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} "النساء/97"

{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} "النساء/100"

  فهي ارض الله وليست تابعة لانسان ولا لهيئة، فلا هوية للارض ولا علم، وكل ذلك اعتباري وليس حقيقياً، فالارض لله، وهي ارض الله، وعلى ذلك فيتعين على المظلوم ان يوسع افقه ويشحذ ارادته للبحث عن فرص واماكن في هذه الارض يتنفس فيها خارج دائرة الظلم.

  ان الهجرة نوع مكابدة وتضحية وعناء، وهي شرط الايمان، وواجبة على كل من دخل دائرة الايمان، اذ على المؤمن ان يهاجر بنفسه وروحه وبكله، ليخرج من دائرة الظلم والظلام وبيت الظلمة.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): [المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه](3).  (3ـ الادب النبوي/ 11.)

2ـ اعلان المظلومية والمطالبة بالحقوق ، وحق الشكوى:

  فلقد جعل الله للمظلوم حقاً في التعبير عن مظلوميته، والمطالبة بحقوقه، وكشف الظلم اللاحق به، وقد فتح القرآن المجال واسعاً امام المظلوم للحديث عن مظلوميته، حتى ولو كان ذلك خارجاً عن الحدود، او متضمناً نوعاً من الاساءة في التعبير يمسّ هذا الطرف او ذاك، فللمظلوم حقوق اضافية بسبب مظلوميته.

  ومن اجل ذلك فقد وجدنا في مسار التجربة الاسلامية على طول التاريخ ان هناك دوائر مختصة بردّ المظالم، والاستماع الى شكاواهم.

قال تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظُلم...}

{وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} "الاسراء/33"

الاعلى

 

3ـ المواجهة واسترداد الحقوق:

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} "البقرة/194"

{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} "الشورى/39"

4ـ نصرة المظلوم:

{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} "هود/116ـ117"

5ـ القتال:

{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} "النساء/75"

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}"الحج/39"

 فأما اذا تحدث القرآن الكريم عن الظالم، فإنه يلوّح للظالم بعاقبة امره في الدنيا والآخرة، ويُشعره بتمام مسؤوليته عن جرمه، إلا انه لا يدع اليأس يتسرب اليله ويتسرب اليه ويستحوذ عليه، {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} "يوسف/87".

  ويرسم له ملامح واضحة في الطريق الى الخلاص من ظلمه وجرمه، ويدلّه على مواضع خطواته نحو ذلك الهدف، فمن ذلك:

1ـ الاستغفار:

  فالقرآن الكريم يشير الى ان ردة الفعل ازاء الظلم الصادر من الإنسان تجاه نفسه أو تجاه ربه او تجاه الآخرين، كحالة فردية، هي الاستغفار.

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} "آل عمران/135"

 والاستغفار موقف يشمل حالات عدة، تتمثل اولاً بالشعور بالخطأ والندم على هذا الفعل، وثانياً بالسعي لاعادة العلاقة مع الجهة التي وقع عليها الظلم بما يناسبها، وثالثاً بوجود الارادة على مواصلة الطريق الصحيح مع صاحب العلاقة.(4)     (4 ـ يراجع ما سبق ذكره من كلمة امير المؤمنين عليه السلام حول  حد الاستغفار.)

  والاستغفار متعلق بالتوبة اشد التعلق، فهو يفضي اليها، أو هو مظهر من  مظاهرها.

  بيد ان التوبة تشتمل على عزيمة اقوى، واعادة لحقوق الاخرين المغتصبة، وتسوية الامر مع صاحب العلاقة، وما الى ذلك.

2ـ الالتجاء الى الرسول:

  ان العملية المكملة للالتجاء الى الله واظهار الندم والعزيمة على ترك العودة الى الظلم، والسير الى الله بممارسة سليمة، هي عملية الالتجاء الى الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، باعتبارات عدة، روحية ومعنوية وكذلك اجتماعية. فالالتجاء اليه تجديد للعهد مع صاحب الرسالة وشافع هذه الامة وإمامها، وهو عودة للجماعة من خلال العودة الى امامها ورسولها، وتأكيد الولاء والارتباط به، فهو استغفار وتأكيد انتماء او استغفار بالعودة الى الجماعة وإمامها، من خلال قبول امام الامة به، وهو رجوع للهداية الاجتماعية.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} "النساء/64"

الاعلى

 

 

  ولا نعدم ان نجد الكثير من نظائر ذلك الالتجاء في تاريخ التجربة الاسلامية الاولى، بتجليات ايمانية واقعية في حياة المسلمين، {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}"التوبة/117ـ118"

الاعلى

 

3ـ الابتعاد عن مواطن الظلم والظالمين:

{ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسّكم النار}

 

الظلم ظاهرة انسانية بعيدة عن ساحة الرحمة الالهية:

  ان الساحة الالهية بعيدة عن الظلم، لانه نقص، وقد كتب الله على نفسه الرحمة، وأمر بالعدل.

  اما ما نشاهده من خلل في الطبيعة، وظلم في الإنسان، وقهر في المجتمعات، فإن مردّ ذلك كله ومنشأه هو الإنسان ، في فعله وتجاوزاته وجهله وظلمه،  فهي كلها نواقص، وهي علل لكل خلل.

  وقد شاء الله ان يكون للانسان سلطان في هذا الوجود، بانت آثاره بمظاهر الظلم المتكررة التي يقترفها.

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}"النساء/40"

قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} "يونس/44"

قال تعالى: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} "غافر/31"

الاعلى

 

ظلم الآيات وتجاوزها وتحريف الحق والدين:

  لعل من ابشع مظاهر الظلم تحريف العلماء للدين،

قال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} "الصف/7"

قال تعالى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} "العنكبوت/8"

قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} "الاعراف/103"

  والاشارة القرآنية هنا الى الظلم الذي لا يكون عن جهل وقصور معرفة، وغيبا حجة، وفقدان بيان، فالظلم هنا يمثل شكلاً آخر، هو من اشد انواع الظلم، الا وهو تحريف الحق وتشويه الرسالة، وصرف الحجة، والاستخدام السيء للمعرفة والدين بما يخدم الباطل.

  والانحراف هو تلبيس الحق والدين بما ليس فيه، وهذا الظلم يمارسه من حُسب على صنف العلماء وأهل البيان والمعرفة، ومن حباهم الله بسعة من علم وقدرة على الابلاغ والاعلام، غير انهم لا يرون للحق قدسية، ولا يقيمون للدين وزناً، فعلمهم وسيلة للتحكم ولتحقيق الشهوات والاهداف الخاصة.

 هؤلاء اشد ظلماً من اولئك الذين ظلموا.

الاعلى

 

الاصلاح ومواجهة الظلم لمنع وقوع الهلاك:

  ان الاصلاح يمنع من وقوع الهلاك والبوار، باعتباره رجوعاً الى الطريق الصحيح، وانسجاماً مع الحق وطبيعة الخلق، ومن هنا كانت التوبة  والاستغفار نوع رجوع للفرد بالتوبة، وللامة والقرية بالاصلاح والعدل. {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه}

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} "هود/117"

والقرآن واضح جداً في بيانه ان الاقلاع عن الظلم، والعودة الى الله للسير في طريق التكامل امر يسير مع مسيرة الكون والحياة، وينسجم مع الفطرة وسنة الله في ذلك هي اضفاء الرحمة وتسديد الافراد والمجتمعات التي تسعى للتخلص من ا لظلم والاقلاع عنه، او  مواجهته.

 فعملية المواجهة الذاتية كأفراد، او المواجهة لارادة الظلم في المجتمع، أياً كان هذا الظالم، مستعمراً او حاكماً او فئة او تياراً، هي علامة خير وصحة تؤهل لنزول الرحمة الخاصة، ليعيش الفرد فرصة اخرى مباركة محفوفة بالحب والعناية الالهية، {ان الله يحب التوابين}.

  وكذلك يكون المجتمع والدولة التي تعيش مساعي الاصلاح واعادة البناء والسير نحو الحق والعدل مؤهلة لأن تشملها العناية الالهية الخاصة في النمور والعطاء،

{بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} "سبأ/15"

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}"الاعراف/96"

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} "هود/117"

الاعلى

 

الظلم اساس الثورات/

 

   ان ظاهرة الاستخدام والاستخدام المتبادل، في المجتمع الانساني، تمثل حالةً نفسية تمتد جذورها الى الأنا وغريزة الانانية، وهي في الاحوال الصحية والطبيعية، ضرورية في اقامة حياة الناس، ونافعة لهم.

  وقد اشار القرآن الكريم الى  ذلك بقوله:

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}"الزخرف/32"

 وفي احيان كثيرة يطرأ على تلك الظاهرة الانحراف، فيتحول الاستخدام لذلك الى استغلال، ثم الى طغيان، عندما  يتمكن الظالم  من استغلال الاخرين.

 وهذا الطغيان يولد من الاستكبار، وينشأ من الاستعلاء على الآخرين، لتبرز لنا ظاهرة الظلم، وما يستلزمه من استبداد واحتكار لحقوق الاخرين،

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}"الاعراف/12"

  وحالة الاستغلال والطغيان سوف تؤدي ـ عندما تتحول الى ظاهرة عامة  حاكمة في المجتمع ـ الى وجود اناس  مظلومين، قد سلبت مصالحهم، وانتهكت حقوقهم.

  وسوف تولد، تبعاً لذلك، في هذا المجتمع المظلوم بسبب الاستبداد، مشاعر الغضب والانتقام والثأر من الظالم المستغل المستبد.

  وتنتظر هذه المشاعر الغاضبة في الامة الى الصاعق الشجاع المعبر عن هذا الغضب، ليجتمع الناس حوله وليسندوه، وهم المصلحون والانبياء.

  وذلك هو منشأ الثورات على مر التاريخ لتصحيح الواقع الخاطئ المتمثل بالظلم وتجاوز الحقوق، ولتغيير ذلك باتجاه تحقيق العدل ومنع الاستغلال وكسر شوكة الظالم وطغيانه.

ففي كل الثورات نجد قطبي المواجهة: المستضعف والمستكبر.

الاعلى

 

مستضعفون ومستكبرون:

  ان علاقة الاستخدام التي جعلها الله سنةً لاستمرار الحياة ودوام المجتمعات كأمر فطري لا معدى عنه، قد تحوّلت على ايدي من حباهم الله القدرة والتمكين الى  علاقة مستغِل ومستغَل، وظالم ومظلوم، ومستكبر ومستضعف.

  فقد صور لنا القرآن طبيعة التبعية  في العلاقة بين المستكبر والمستضعف، وبين الظالم واتباعه، ثم صوّر لنا كيف ينقلب اتباع الظلمة على رؤسائهم، وكيف تُرفع عنهم هالة السلطة والقدرة يوم الحضور بين يدي الجبار، حيث لا حاكم ولا محكوم، في يوم الحق والفصل، فيتبرأ  كل واحد من صاحبه.

قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} "سبأ/31ـ33"

قال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} "الاحزاب/66ـ68"

قال تعالى :  {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} "الاعراف/38ـ39"

الاعلى

 

ابواب السماء مفتوحة للمظلومين:

  ورد في الحديث ان ابواب السماء  مفتحة لدعوة المظلومين، وان كلمة "آه" ودعوات المظلومين تخترق الحجب، ولا يقف امامها شيء، وهذا التصوير الغيبـي لحالة المظلوم الرافض للظلم، والساعي للعدل، يكشف لنا عن ان الكون كله مع المظلوم، ولذلك عليه أن يثق بالنصر، وبأن مآل الامور سيكون لصالحه، والعاقبة للمتقين.

  ان دعوات المظلومين بحق الظلمة باتت معروفة ويقينية وواضحة، وهذا كاشف عن ان سنة الاصلاح وتجاوز الظلمة والظلم هي سنة الحياة حتى يقام العدل على كل الارض.

 قال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} "آل عمران/135"

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} "النساء/168"

قال تعالى:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}"الاعراف /  162"

قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} "الاعراف/103"

  وعن عبد الله بن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث مُعاذاً الى اليمن، فقال اتّق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.(5) (5ـ الادب النبوي/60)

الاعلى

 

نتيجة الظلم:

 تتجلى سنن الله سبحانه إزاء الظلم والظالمين في:

1ـ الامهال: وهو سنة الهية تسبق العقوبة وتمهد لها، قال تعالى :{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}"آل عمران/178"

 وقال {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} "الحج/48"

2ـ الهلاك: وهو سنة الله في استحقاق الظلم على صعيد الانظمة والمجتمعات، وفي هلاكها ونهايتها وانحلالها حكمة.

  ان الظلم تحدٍّ لسنة الله في المجتمعات التي تسعى نحو التكامل والعدل، وبالتالي فان سنة الفطرة غالبة، كما ان الظلم تجاوز على الطبيعة بالاسراف والتخريب والاستغلال، وسنة الله هي الغالبة.

  فالظلم ظاهرة انسانية محضة وهي نقص وخلل لن يكون حاكماً ولا مستقراً ولا شاملاً، لانه نقص وخلل، في مقابل الكمال والحق والعدل.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}  "يونس/13"

قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} "النمل/52"

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} "الكهف/59"

قال تعالى:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} "القصص/59"

قال تعالى : {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} "الحج/45"

3ـ الانتصار بالظالم من الظالم: وهو سنة الهية اشار اليها القرآن الكريم صراحة، اذ قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} "الانعام/129"

 

 

 وقد ورد عن الامام الباقر "عليه السلام" قوله: [ما انتصر الله من ظالم الا بظالم، وذلك قوله عزوجلّ {ولذلك نولي بعض الظالمين بعضاً}](6) .   (6ـ بحار الانوار ج75 ص313.)

الاعلى

 

 

الخاتمة:

  الظلم ظاهرة انسانية، يتنـزه عنها الله سبحانه وتعالى اذ يمتنع على الحكيم ان يقوم بفعل ما يحكم بأن فاعلة مستحق للذم، او يقدم بفعل يجب التنـزه عنه.

  فالله عادل، لان الظلم قبيح ومما يجب التنـزه عنه، ولا يصدر القبيح من الحكيم.

  والعدل حسن، ومما ينبغي الاتصاف به، فيكون الاتصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزهاً عما لا ينبغي، ومتصفاً بكل كمال في مقام الفعل. فمقتضى كونه حكيماً هو عدم ارتكابه ما يجب التنـزه عنه، وبالتالي فهو عادل لا يجوز ولا يظلم ولا يعتدي.

  وقد تظافرت الآيات الكريمة على  بيان هذا المعنى، معنى قيامه سبحانه بالقسط، وأمره بالعدل، ومن ذلك قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} "آل عمران /18"

  وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط، فقد جعل الغاية من بعثة الانبياء هي اقامة القسط بين الناس.

  كما صرح بأن القسط هو الركن الاساس في محاسبة العباد يوم القيامة، اذ يقول سبحانه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} "الانبياء/47"

و قال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} "الحديد/25"

  وقد وضع الله سبحانه حدوداً لتنظيم حياة الإنسان ، سماها حدود الله، وهي اوامره ونواهيه، قال تعالى: {... تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} "البقرة/ 229".

 وفاعل الظلم هو الإنسان الظلوم الجهول، وخير مثال على ذلك صاحب الجنتين الذي تفاخر بما له ومكانته على صاحبه

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا }"الكهف/35".

 والقرآن يقرر قاعدة الهية هي ان الخروج عن حدود الله يؤدي الى ظلم النفس، { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}"الطلاق/1"

 وهذا الظلم يرتد على العبد، لان الظلم لا يقع على الله سبحانه، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} "هود/101"

 

 وقد يقع الظلم على مال الاخرين، وهو ما حذر منه تعالى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}"النساء/10"

  او قد يقع الظلم على قوم فيهدر كرامتهم ويصادر حقوقهم، كما وقع على بني اسرائيل من آل فرعون، قال تعالى في معرض الامتنان: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }"الاعراف /141"

واعظم الظلم واكبره هو الشرك بالله، قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} "لقمان/13"

 وهو الذنب الذي لا يُغتفر، {ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}

وعن امير المؤمنين "عليه السلام" قال: [الا وإنَّ الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرّك بالله، واما الظلم الذي يغفر، فظلم العبد لنفسه عن بعض الهنات، واما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضا](7).  (7ـ نهج البلاغة حكم /176.)

 والملاحظ ان الطبيعة قد يستخدمها الله تعالى كأداة للعقوبة، فهي من جنوده.

قال تعالى: {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} "آل عمران/117".

 وقال تعالى لنوح "عليه السلام": {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} "المؤمنون/27".

 وافتراء الكذب على الله هو الآخر من ابشع صور الظلم، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} "الانعام:21" ومن الظلم ايضاً كتم الشهادة، قال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} "البقرة/140" ومن ذلك ايضاً الاعراض عن آيات الله بعد التذكير بها، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} "السجدة/22".

 اما سنن الله في الظالمين فتتمثل في : الامهال الذي يكون مقدمة للاهلاك، ثم الاهلاك، والانتصار بالظالم من الظالم.

{ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}

الاعلى