مصطلحات قرآنية

الإمام والإمامة

 

الامام في القرآن الكريم الامة والامام (نبي الله ابراهيم)
المصطلح لغة الامام الشاهد
طريقة تناول القرآن الكريم للمصطلح الامامة في الروايات
وراثة الارض الخاتمة

 

المقدمة

تناولنا في العدد الماضي مصطلح (الخلافة والخليفة في القرآن الكريم) وتحصَّل لدينا هناك ان اكثر الاستعمالات القرآنية لمصطلح الخليفة كانت بمعنى استخلاف الله سبحانه بني آدم، ونيابتهم عنه في استعمار الارض وادارة شؤون الحياة فيها وانمائها، ولم يستخدم مصطلح الخلافة بمعنى الحاكمية او الولاية الخاصة الا مرة واحدة في خصوص نبي الله داود عليه السلام، ويمكن الرجوع الى العدد السابق للوقوف على الاستعمالات المختلفة لهذا المصطلح ومداليلها.

وفي بحثنا هذا سوف نتناول مصطلح (الامام والامامة) في كتاب الله العزيز، ومدلول هذا المصطلح، واستعمالاته في الكتاب الكريم، وارتباط مفهوم الامامة بالمفاهيم والمصطلحات القرآنية القريبة منه، او التي تشترك معه في المدلول او الموضوع.

الاعلى

 

الامام في القرآن الكريم:

سنستعرض في البدء الآيات الكريمة التي ورد فيها هذا المصطلح، واشتقاقاته وطريقة تناول القرآن لهذا المصطلح.

فقد ورد هذا المصطلح في اثني عشر مورداً، تأمل قوله تعالى:

(وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79)) "الحجر".

(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))"يس".

(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124))"البقرة".

(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17))"هود".

(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74))"الفرقان".

(وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12))"الاحقاف".

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71))"الاسراء".

(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12))"التوبة".

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73))"الانبياء".

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41))"القصص".

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24))"السجدة".

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5))"القصص".

بعد استعراض الآيات الكريمة لعل من المفيد تصنيفها حسب استعمالاتها ومدلولاتها، ويمكن هنا ان نسجل الملاحظات التالية:

اولاً: ورد المصطلح بصيغة المفرد "امام" في سبع آيات، وفيها:

أـ ورد مرتين بتكرار الصيغة نفسها وبالمعنى ذاته، في:

(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79)) "الحجر".

(وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))"يس".

والامام هنا بمعنى السجل الذي يحيط باعمال الانسان ويحتويها.

ب ـ ووردت كلمة "امام" في صفة كتاب موسى عليه السلام، ومكررة بالصيغة نفسها،

(وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً (17))"هود".

(وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً (12))"الاحقاف".

والامام هنا بمعنى الكتاب المنسوب الى شخص، والذي يحتل موقع الارشاد والهداية.

ج ـ ووردت بصيغة إمامٍ للناس مكررة مرتين ايضاً، في :

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ (71))"الاسراء".

(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124))"البقرة".

وكلمة الناس عادة في القرآن الكريم تعني عامة المجتمع، وقد تعني في موارد مخصوصة المجموعة المقابلة للمجتمع المؤمن.

د ـ وجاءت مرة واحدة مقرونة بالمتقين: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74))"الفرقان".

وفي كل هذه الموارد جاءت كلمة (الامام) بمعنى الجهة التي يقتدى بها وتُتبع، ولها موضع الارشاد والتوجيه وما يتطلبه هذا الموقع من متطلبات.

ثانياً/ اما بصيغة الجمع فقد وردت الكلمة (الائمة) في خمس آيات، وتحت عنوانين هما: ائمة هدى، وائمة كفر، فقد وردت:

أـ ائمة الكفر و(ائمة يدعون الى النار)، فالائمة هنا هم المعروفون بالكفر والداعون اليه، وهم رؤوس المواجهة ازاء الايمان، واعداؤه، ولهم موقع القرار والقيادة، في آيتين كريمتين:

ب ـ (ائمة يهدون بأمرنا) في آيتين اخريين ايضاً، وهم بحسب الآيتين يتمتعون بخصوصيات ومقامات، فهم يهدون بأمر الله، ويوحي اليهم فعل الخيرات، وهم من العبّاد والمقيمين الصلاة، وفي الدرجة العليا من المعرفة، وهم من الموقنين وهم من الصابرين.

ج ـ (الائمة الذين يرثون الارض بعد أن كانوا مستضعفين فيها) مرة واحدة، اما وراثة الارض فقد وردت في آيات متعددة وبصيغ مختلفة، هذه واحدة منها.

الاعلى

 

المصطلح لغة

عرف الشريف الجرجاني الامام بانه: [هو الذي له الرياسة العامة في الدين والدنيا جميعاً] ويرى بعضهم انه [الامام القائم على امور المسلمين المسمى خليفة او رئيساً]، ويرى آخرون ان الامامة [هي المرجعية الرئيسة، وان للامام موقع الترشيد والتوجيه، والنظارة الشرعية، وليس بالضرورة ان يكون المسؤول التنفيذي الاول أي ان يكون حاكماً او رئيساً].

وفي لسان العرب يقول ابن منظور: [الامامة في الاصل بمعنى الائتمام والاقتداء، ومنها الامام لمن يؤتم به، كالازار لما يؤتزر به، كذا في الكشاف، وفي العرف رئاسة عامة في الدين والدنيا لشخص من الاشخاص] ([1]).

ويّطرد ذكر الامام بعد ذكر الامة عند الراغب فيقول([2]):[ الامام: المؤتم به انساناً كان يقتدى بقوله او فعله، او كتاباً او غير ذلك، محقاً كان او مبطلاً، وجمعه ائمة].

ورد تفسير: يوم تدعو كل اناس بإمامهم، أي بالذي يقتدون به، وقيل بكتابهم.

الأَم: القصدُ المستقيم، وهو التوجه نحو مقصود، وعلى ذلك (آمّين البيت الحرام).

الاعلى

 

طريقة تناول القرآن الكريم للمصطلح

يمكن عند تفحص الآيات الكريمة التي اتت على ذكر مصطلح الامام، الخروج بنقاط ومؤشرات توضح مدلوله واسلوب استخدامه.

اولاً: استخدم القرآن الكريم مصطلح الامام استخدامات مختلفة، وعتدنا ان استخداميه الرئيسين البارزين هما:

أـ امامة الكتاب.

ب ـ وامامة الانسان.

إذ وردت بخصوص ذينك المعنيين آيات متعددة وبيان ذلك:

أـ امامة الكتاب / وتأتي هذه على نوعين:

ـ الاول: بمعنى كتاب الاحصاء الذي يحصي كل شيء يمكن أن يظهر من الوجودات والاحداث، فهو كتاب يجمع الاشياء والامور، قال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))"يس".

ويذهب صاحب الميزان في تفسيره الى انه اللوح المحفوظ من التغيير، والذي يشتمل على تفصيل قضائه سبحانه في خلقه، ويحصي كل شيء، وقد عبر القرآن الكريم عنه بأسماء مختلفة مثل اللوح المحفوظ وام الكتاب والكتاب المبين والامام المبين.

ولعل تسميته اماماً انما كانت بالنظر الى اشتماله على اصل القضاء المحتوم والامر المتعلق بالخلق، فإن أمَّ الشيء هو اصله ومنشؤه كما يذكر الرازي في مختار الصحاح، وهو بالتالي موضع الاقتداء.

ـ والثاني: بمعنى كتاب الهداية، فقد وصف القرآن الكريم كتاب موسى (التوراة) بأنه امام ورحمة، والامام هنا هو المرشد والهادي والواجب الاتباع.

       

ب ـ امامة الانسان / وقد استخدم القرآن الكريم الامام في عالم الانسان على نحوين:

الاول: ائمة الهدى/ وهم الائمة الذين يهدون بأمر الله.

والثاني: ائمة الكفر/ وهم الائمة الذين يدعون الى النار.

ومن ذلك كله يتحصل لدينا صواب ما ذهب اليه الراغب في معنى الامام بأنه الجهة التي يُقتدى بها انساناً كانت او جهة معنوية كالكتاب، بغض النظر عن اتجاه الاقتداء ونوعه، وعن صوابه في حال اتجاهه نحو الله والحق، او خطئه في حال سلوكه الاتجاه المخالف للفطرة والحق.

الاعلى

 

ثانياً/ يتكرر ذكر (الجعل) الالهي (جعلناهم...) في عملية بروز الامامة وتحققها.

ويمكن تصور ارجاع بروز الامامة وتحققها الى الله تعالى على احدى صورتين:

الصورة الاولى: ان يكون ذلك وفق السنة الالهية من خلال عملية التفاعل الاجتماعي والحراك المؤثر في ظهور جهات معينة (انسان او كتاب رسالة) يكون لها موقع التأثير والهداية في توجيه الناس والتأثير على قرارهم، حتى ولو كان هذا البروز والظهور وتبوؤ موقع الاقتداء باتجاه لا ينسجم مع الحق ويقود الى الهلاك.

ويلاحظ ان ارجاع الفعل الى الله تعالى (جعلناهم) هو منهج قرآني يسعى الى ربط السنن التاريخية والاجتماعية بالله تعالى لتأكيد واقع الهيمنة الالهية وسنتها الحاكمة على الانسان والكون، لاحظ:

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24))"السجدة".

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41))"القصص".

والصورة الثانية: لتحقيق الامامة هي الجعل الالهي المباشر وذلك باختيار امام مشخص بعينه لاداء مهمة محددة، سواء أكان كتاباً أم شخصاً، من قبل الله تعالى ووفق ارادته وحكمته وقراره، وفي هذا المجال بحث مفصل ليس هنا موضع تفصيله، لاحظ:

(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124))"البقرة".

الاعلى

 

ثالثاً

يلاحظ ان القرآن الكريم يذكّر الناس باستمرار على حقيقةٍ طالما تناسوها في عالم الحياة الدنيا، واصطنعوا بدلاً منها اوهاماً زائلة يحتكمون اليها ويصنفون الناس بموجبها.

وتلك الحقيقة التي اهملوها في حياتهم الدنيا سوف يجدونها شاخصة امامهم في حياتهم الاخرى.

وتلك الحقيقة هي معيار التفاضل الاجتماعي الحق الذي سيجد الناس انفسهم اجمعين مسوقين بحسب مقتضاه، ومصنفين بموجبه، كما هم على حقيقتهم من دون رتوش ولا ضغوط ولا تزوير ولا خداع، وفي ساحة العرض الالهي الصادقة التي ليس فيها تدليس او غش. في ذلك الميدان الذي يجمع كل الوجود الانساني، بكل اطيافه والوانهه وصراعاته واحزابه وافراده.

في تلك الساحة الالهية الهائلة، والبرهة الفاصلة، يعلنها القرآن الكريم صادعاً، ان الامر الحق المعتبر في تسمية تلك الجموع التي تموج من البشر، وان الشأن في تصنيفهم، ليس على اساس الزمن والتقادم التاريخي، لان الزمن سوف ينعدم اعتباره في الحساب، وليس على اساس الطبقة الاجتماعية او الاقتصادية، لان الجميع فقراء الى الله واقعاً وحقاً، وليس على اساس الموقع الاداري الذي عرفوه سابقاً أيام كانوا حكاماً ومحكومين، ومسؤولين وتابعين، لان هذه الاعتبارات هي في الحقيقة وهم لا واقع حقيقياً لها، فهي اعتبارات تنتهي بنهاية اطرافها.

ان المعيار الحقيقي في ترتيب اولئك الوقوف الذاهلين وفي تمييزهم وتقسيمهم وتصنيفهم في ساحة العرض الالهي، هو الامام الذي كانوا به يقتدون وعلى خطاه يسيرون، فهو الفاصل بينهم في ايقاعهم مواقعهم وايلائهم استحقاقهم ـ فهو اذن الامام كتاباً كان او شخصاً.

وعندما يُدعى الناس بدعوة الحق الالهية فإن دعوتهم تلك سوف لا تكون بأسمائهم ولا بعناوينهم ولا بقبائلهم، بل ستكون دعوتهم بإمامهم.

ومن ذلك يتبين ان الامام يمثل هوية الانسان وحقيقة وجوده وانتمائه ومقامه وموقعه.

ويتبين ان موقع الامام بين الناس كموقع القلب بين جوارح الانسان واعضائه، وكما ان المناط في تقرير مصير الانسان هو نواياه وسلامة صدره كما تشير اليه الآية الكريمة (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89))الشعراء

فكذلك يكون الشأن مع الامام في تقرير مصائر اتباعه ومريديه والمقتدين به، فهو محركهم وموجههم والمعبر عنهم والمحدد لهويتهم،

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ....(71))"الاسراء".

الاعلى

 

رابعاً: الامامة ـ طموح المؤمن

يحث القرآن اتباعه في معرض تربيتهم ان يكون لهم طموح عالٍ وهمة كبيرة وتطلع مستمر نحو تسنم مواقع معينة ونحو التحلي بصفات خاصة نصّ عليها مرات متعددة، ومن تلك المواقع التي حث اتباعه على ابتغائها موقع الامامة، ولكنها ليست أي امامة، بل هي امامة المتقين، التي تمثل الافق الاعلى في عالم الامامات.

فليس المطلوب هو ان يكون المؤمن في موقع القدوة للاخرين والتأسي من قبلهم له فحسب، بل المطلوب اضافة الى ذلك ان يكون في موقع التأسي به والقدوة لمجموعة خاصة من الناس ممن يتمتعون بمواصفات اخلاقية عالية وسلوك متميز وقيم خاصة، وهم جماعة المتقين.

ويأتي هذا الهدف والمطلب لمجموعة خاصة سماها القرآن بـ "عباد الرحمن" الذين رسم لهم في آياته منهجهم بعناية وحدد لهم مسارهم في عالم الناس بتوصيف حتى مشيهم وحديثهم وحوارهم وعبادتهم ومبيتهم وفكرهم ودعائهم،

( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)) "الفرقان"

وهي ملامح ومواصفات مرسومة بدقة وعناية ومرفوعة ابداً امام انظار عباد الرحمن ليتخذوا منها معارج يرتقونها وصولاً لمؤداها ونتيجتها المفضية بهم الى اعتلاء موقع الريادة والتقدم في امامتهم للناس واقتدائهم بهم من خلال تقواهم وتلبسهم بالايمان والتزامهم بالحدود الشرعية في القول والعمل ومن خلال تعلقهم بالله ومعيشتهم في الحياة الدنيا، مع حفظ توجههم تلقاء الآخرة، وهي كلها احوال ومقامات تمكن لصاحبها موقع الامامة، بحسب استعداده وسعيه، واستحقاقه،

فهدف الفرد القرآني هو ان يكون اماماً للمتقين،

وهدف العائلة القرآنية ان تكون اماماً للمتقين،

وهدف المجتمع القرآني ان يكون في مقام الاقتداء والاسوة،

ولكن وفق منهج القرآن وسنته في الجعل، وليس بالغلبة والفرض والحيلة والالتواء

(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)) "الفرقان"

وهذا الموقع المتقدم أي موقع الامامة للمتقين لا يكون الا نتيجة لكدح العبد الى ربه مخلصاً، اذ ليس هو موقعاً او منصباً يسعى اليه بمعزل عن الاخلاص لربه، ولعله من اجل ذلك جاء الدعاء لبلوغ هذه الصفة بصيغة (واجعلنا)، ولم يجئ بصيغة  (وان اكون للمتقين اماما) او (هب لنا موقع الامامة) او بصيغة اخرى غيرها على سبيل التمثيل.

فصيغة (اجعلنا) في الآية الكريمة تحمل الاشارة الى قوانين الجعل وشروطه، من الصبر والمثابرة وغيرها التي يشير اليها القرآن الكريم والتي سوف نتعرض لها قريباً.

الاعلى

 

خامساً/ شروط الامامة (العلم والعمل)

من الضروري والمهم ونحن في غمرة الحديث عن شروط الامامة في القرآن الكريم، أن نتأملها في مواطن ورودها في بعض آياته.

قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24))"السجدة".

والربط هنا واضح بين قانون الجعل وسنة الله في اختيار الائمة للناس.

وقد ذكرت الآية شروطاً واوصافاً لاولئك الائمة المجعولين من الناس، ويمكن قسمة تلك الشرائط والاوصاف على نحوين: علمي وعملي.

فالشرط العلمي المشار اليه بقوله تعالى (وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24))"السجدة".

يشتمل على باب واسع للمعرفة ودرجة المعرفة وصدق المعرفة، فقد لخصت الآية تلك المعرفة بكلمة (آياتنا) التي تدل على المعارف والدلالات المرتبطة بالله، وبذلك تشير الى المعرفة الحقة.

كما دلت الآية بكلمة (يوقنون) على اعلى درجات المعرفة التي تتجاوز مراحل التعليم والمعرفة والادراك الى درجة اليقين والقطع، وهي اعلى درجات المعرفة.

فشرط الجعل الالهي للامامة هو ان يكون الامام على أعلى درجات العلم وبمستوى اليقين.

اما الشرط الثاني او الصفة الثانية في جعل الامام فهي الصفة العملية الملخصة في قوله تعالى (لمّا صبروا).

فالصبر هو حبس النفس والالتزام بإرادة جادة وحقيقية على السير وفق امر معين وقسرها عليه، وتلك هي صفة الاختيار والارادة والعزم الجاد في النفس الانسانية والتقدم في السير بخطوات ثابتة على الطريق وتحمل تبعات المسير فيه بثقله العلمي وبمشاقه العملية ونتائج هذا الاختيار.

وبمجموع هاتين الصفتين العلمية والعملية يتحقق شرط العصمة، الذي يعني المعرفة والعلم والالتزام بتبعات هذا العلم، ولا يمكن للامام ان يكون مرشداً وهادياً دون هذين الشرطين، العلم والعمل، اليقين والصبر، أي ان العصمة او بتعبير آخر الدرجة العالية من العلم والتقوى هي شرط لازم لموقع الامامة الهادية، كما يشير القرآن الكريم.

الاعلى

 

سادساً/ الامام يهدي بأمر الله

الامامة في نوعها الهادي الى الله، والتي يشير اليها القرآن الكريم هي امامة خاصة، وليست هي امامة لمن شاء ان يكون اماماً، ولا لمن اراد من الناس ان ينصب اماماً.

فالامامة المذكورة في الآية هي لهداية الناس الى الله، وهي امامة وارشاد بهداية خاصة يعبر عنها القرآن الكريم بـ (ائمة يهدون بأمرنا)، فليس الامام يهدي بشكل عام يصيب فيه الحق يقيناً في بعض الاحيان، ويصيب فيه الحق ظناً واحتمالاً في احيان اخرى، كبر هذا الاحتمال او صغر.

وليس الامام المشار اليه هنا هو الذي يهدي من خلال ما يتعلمه من هذا او ذاك، فيكون دوره بذلك دور الناقل عن ناقل آخر مثله، او دور المتعلم على سبيل نجاة، فيعلّم ما يتعلّم، وهو في هذه قد يصيب الحق كله فيكون له اجران، وقد يخطئ الحق فيكون له اجر واحد، كما ان الامة قد تهتدي بهذا الامام لموقع الحق، وقد تخسر وجودها او خيرها عندما يخطئ هذا الامام في قراءة الوضع، او يخطئ في التشخيص او العلاج.

قد تكون هذه الامامة متعارفة عند الناس، فلابد للناس من امام براً كان او فاجراً، لان الامة تسير بعقل جمعي، يستلزم ضرورة وجود القائد، تماماً كضرورة وجود الرائد والراعي للقطيع، وبقطع النظر عن اتجاه مساره وجدواه، ذلك هو شأن الامامة السائد في عالم الناس.

ولكن حديثنا هنا عن الوصفة القرآنية للامامة الهادية لله فأي امامة هي؟ وبأي هداية تهدي الناس؟

ان القرآن يبين ان الامامة الهادية ليست هي من قبيل الامامة المتعارفة عند الناس، تصيب وتخطئ، ولا تهدي الا ان تُهدى، وانما الامامة الهادية القرآنية، هي امامة تهدي (بأمرنا)، فلم يقل القرآن عنها انها تهدي بشكل مطلق، بل قيدها بقيد (يَهدون بأمرنا)، والنكتة القرآنية هذه تكررت كلما تكرر ذكر الامام الرباني في القرآن، فهم يهدون بأمرنا، لاحظ:

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73))"الانبياء".

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24))"السجدة".    وعند امعان النظر في مصطلح (امر الله) المتكرر في القرآن الكريم، نجد أن القرآن يصف ذلك الامر بالاوصاف التالية:

(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52))"الشورى".

(وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50)) "القمر".

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117))"البقرة".

(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)) "يوسف".

ذن فهداية الامام الرباني هي هداية بأمر الله، الذي لا يتخلف، وهو أمر غالب، وهو كلمح بالبصر، وهو نور وصراط مستقيم.

فهو اذن هداية خاصة، وهدى فوق الهدى.

الاعلى

 

سابعاً/ الامامة عهد خاص

(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124))"البقرة".

كان الاختيار الالهي الخاص لابراهيم، ونصبه للامامة، وهي موقع الهداية الربانية الخاصة، بالجعل الالهي المباشر في قوله تعالى (اني جاعلك للناس اماماً)، كان هذا الاختيار بعد اصطفائه نبياً ورسولاً.

فقد كان ابراهيم نبياً مرشداً، ومبلغاً معروفاً، ومحاوراً ومواجهاً بالكلمة والتبليغ، وخلال ذلك كان يتحمل مختلف انواع الابتلاءات، الامر الذي رشحه ليكون موضع الاختيار الالهي ليجعله اماماً للناس، ويلاحظ ان تنصيبه اماماً جاء متأخراً، بقرينة قول ابراهيم (ومن ذريتي)، وفي قوله ذلك اشارة الى انه كان ذا ذرية، ومعلوم انه لم يكن له ذرية الا بعد نبوته بزمن.

فقد روي عن الامام الصادق: [إن الله تبارك وتعالى اتخذ ابراهيم "ع" عبداً قبل ان يتخذه خليلاً، وان الله اتخذه نبياً قبل ان يتخذه رسولاً، وان الله اتخذه رسولاً قبل ان يتخذه خليلاً، وان الله اتخذه خليلاً قبل ان يجعله اماماً، فلما جمع له الاشياء (قال اني جاعلك للناس اماماً)].

وبذلك يمكن القول ان النبوة والرسالة غير الامامة المذكورة هنا لابراهيم.

فما هي امامة ابراهيم التي هي اعلى من درجة النبوة؟

والاشارة الاخرى المستفادة من سياق ذكر امامة ابراهيم في القرآن الكريم كعهد رباني خاص، انها ستكون في ذرية ابراهيم، ولكن في ذرية خاصة وليس في عموم الذرية.

فهي أي الامامة، لآل ابراهيم، ولكنها ليست لأي منهم، وانما هي لمن لم يقترف ظلماً، لان الامامة عهد الله، وهو ميثاق وارتباط خاص والتزام رباني، وهذا العهد ساحته مطهرة، ولا يمسه ولا يناله الا الطاهرون، الذين لم يظلموا في حياتهم، ولم يقترفوا أي نوع من انواعه، فليس فيهم ظلم الشرك وهو اوضح الوان الظلم، ولا ظلم المعصية وعدم الطاعة لله، ولا ظلم الناس والتجاوز على حقوقهم.

ان عهد الله التزام خاص، له استحقاقاته، وله متطلباته، وله التزاماته، وله شروطه، فلا ينال عهد الله ظالم ولا مشرك ولا عاصٍ ولا متعدٍ.

وليس مناط نيل العهد الالهي بإرادة بشرية واختيار ورغبة وسعي يتحرك باتجاهه من يرغب من الناس أو ان مقام العهد يُعطى لمن يرغب فيه الناس، بل انه قرار الهي خاص، وباختيار لاناس خاصين، لم يقترفوا ظلماً، ولم يتلبسوا به طول حياتهم.

الاعلى

 

وراثة الارض

ورد ذكر وراثة الارض في القرآن الكريم اكثر من مرة، لاحظ الآيات الكريمة:

( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)) "القصص".

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5))"القصص".

(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128))"الاعراف".

(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137))"الاعراف".

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74))"الزمر".

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105))"الانبياء".

وعند الجمع بين الآيات تجد ان المنظور القرآني لحركة البشرية في الارض، انها ستؤول وتختم بتحكيم العدل والخير والبركة المصاحبة لاهل التقوى والعباد الصالحين.

كما يُلاحظ ان السنة الالهية تقضي بدوام حركة المجتمع، وتبدل مواقع القيادة والقدرة والتأثير فيه من خلال سنة التدافع بين الظالمين والمظلومين، والملأ والمستضعفين.

فلا جمود ولا استقرار في الواقع الاجتماعي، وبخاصة في امثال المجتمع الفرعوني الذي يسوده ظلم الحاكم او المجموعة المستأثرة بالقدرة والسلطة.

وقد نسق القرآن الكريم وراثة الارض بعد جعل الائمة من المستضعفين، وكأن في ذلك نحو ارتباط وتتابع، فلا يرث الارض الا الائمة، ونصيب الائمة وراثة الارض.

ووراثة الارض وهي خاتمة المطاف، تعني ان مسيرة الانسان في الارض كخليفة لله، واعماره لها، وتتابع جهود البشر في الاعمار والاستخلاف، وان مسار حركة الشعوب، وصراع الارادات، وتكامل الحضارات، وتلاقحها، وتلاحمها، ان هذه المسيرة سوف تختم بأن تنال الجموع المؤمنة بالحق والمتلبسة به والداعية اليه، والعاملة به، صدقاً وواقعاً، أن ينالوا ثمار جهادهم في العاجلة جراء كونهم قدوة للبشر وائمة خير وبركة، ورموز قدوة بما تحملوا وصبروا وعلموا وجاهدوا.

وعلى ذلك فهم الامة التي وعدها الله بالاستخلاف في الارض، والتمكين لهم فيها، ولو بعد حين، فبذلك جرى قضاؤه سبحانه لعباده الصالحين الذين هم مصداق لكمال الخلقة، وكمال التسخير المشار اليه بـ

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20))لقمان

ذلك التسخير الذي تُوّج بهذه الوراثة،

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5))"القصص".

ويلاحظ ايضاً ان مصطلح وراثة الارض ورد في القرآن على نحوين، الاول يُراد منه العموم، والاخر يدل على حالة خاصة في مكان خاص أو زمان خاص.

ومن خلال الجمع بين الآيات يتضح ان السنة الالهية قضت بأن حركة المجتمعات وصراع الحضارات وتدافع الشعوب سوف تختم وفقاً للوعد الالهي بوراثة المستضعفين الذين هم عباد الله الصالحون، وان العقبى والدولة نهاية الامر ستكون لهم، وستكون مواقع الامامة والتأثير والقيادة والارشاد من نصيبهم.

الاعلى

 

الامة والامام (نبي الله ابراهيم)

( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120))النحل

 (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124))"البقرة".

يلتقي في هاتين الآيتين وصف الامام ووصف الامة في شخص النبي ابراهيم "ع".

فجذر الامة اللغوي من (أمَّ) أي قصد كما يذكر الراغب في مفرداته، وعليه فوجود القصد عنصر من عناصر بناء مصطلح الامة، والقصد يعني الهدف، وبالتالي فالامة مجموعة افراد يشتركون بإرادة جامعة نحو هدف مشترك يجمعهم.

اما مصطلح الامام فمدلوله كما اشرنا سابقاً يتضمن الموقع او الجهة التي تملك القدرة على جذب ارادة الاخرين نحوها. ويكون موقف الاخرين منها التأسي والاقتداء، ودور الامام هو دور الهداية والارشاد بعلمه وتأثيره.

ومن ملاحظة هذين المصطلحين ومدلوليهما [الامام والامة] يمكن ان نجد المشتركات الجامعة بينهما من وجود الافراد والناس في كلا المصطلحين، ووجود الهدف والقدر الجامع بينهما.

ان وجود الامام وموقعه في الامة عنصر أساس في وجود الامة وتحقيق معناها، والا فلا يمكن تصور امة ليس فيها ما يجمعها، وليس فيها ارادة مشتركة تحركها، وليس فيها امام يرشدها.

ان الامة من دون الامام لا تسمى امة على الحقيقة، بل هي مجموعة افراد لا رابط يجمعهم ويشدهم ويحركهم.

فلا امة بدون امام، ولا امة فاعلة بلا امام يعيش في قلوب الامة، ويوجه انظارها وسعيها نحو الهدف المشترك.

ولعل الآيتين السابقتين اللتين جمعتا بين ابراهيم الامام، وابراهيم الامة تشيران الى تلك المشتركات بينهما اشارة جميلة ومهمة، وهو وجه من الوجوه المستفادة منهما للجمع بين هذين المصطلحين.

الاعلى

 

الامام الشاهد

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143))"البقرة".

ان الوسطية التي تشير اليها الآية الكريمة ههنا، تمثل موقع الوسط الذي تحتله الامة التي تشهد على الناس من جهة، ويشهد الرسول على هذه الامة الوسط من جهة اخرى.

ولابد للامة الشاهدة على الناس ان يكون لها من الصفات والمميزات ما يؤهلها للقيام بدور الشهادة على الناس.

فهذه الامة ينبغي ان يكون لها رأي واحد، وقراءة واحدة للواقع، وفهم دقيق للشعوب ولخلفيات مواقفهم، ولابد ان تكون تلك الامة بمستوى الشهادة في الصدق والعدالة والوثاقة، وهي صفات لا تتحقق في الامة كما اشرنا الا اذا كان هناك امام لها يمثل ارادتها، وهو القدر الجامع فيها، والموحد لشخصيتها وهويتها.

والا فكيف يمكن لأمة مختلفة في آرائها ومواقفها ولا تعيش الاسلام في كل وجودها، ولا هوية حقيقية جامعة فيما بينها، ان تحتل موقع الشهادة على العصر والناس؟

وكما اشرنا فإن امة بلا امام ليست بأمة، وكما قال الامام الصادق "ع": [لو بقيت الارض بلا امام لساخت].

ولذلك فالأمة الشاهدة هي في الحقيقة تكشف عن العالم الشاهد امام الرسول، وعن مجريات العصر في زمانه وفي الازمنة والعصور التي تأتي بعد الرسول.

والآية صريحة في اثبات ان هناك شهوداً على المجتمعات في يوم العرض والحشر، الذي تتكشف فيه الحقائق ويعاد فيه عرض التاريخ ومفرداته امام الجميع، ويصطف فيه الناس ويتمايزون حسب ائمتهم.

ما ان هناك شهوداً على الانسان الفرد من جوارحه في ذلك اليوم.

الاعلى

 

الامامة في الروايات

تكثر الروايات عن المعصومين بخصوص الامام والامامة، فعن الامام علي "ع" [من نصب نفسه للناس اماماً فعليه ان يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه].

وعن الامام الصادق "ع" [ان هذا الامر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة].

وعنه ايضاً: [لو بقيت الارض بلا امام لساخت].

وروي عن الامام الرضا "ع" [ان الامامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين].

ولمن شاء الزيادة فليرجع الى المجاميع الحديثية والمدونات الكبرى في هذا الشأن.

الاعلى

 

الخاتمة

الامامة في الاسلام شأن خطير ومهم احتل جانباً واسعاً في تشريعاته، وهي شأن مهم ايضاً في حياة الناس لمدخليتها في توجيههم وارشادهم وتثمير طاقاتهم وتوحيدها.

وقد حظيت باهتمام الشارع المقدس حتى في الامر الصغير من امور حياة الناس، بدءاً من حثه على تأمير احدهم على الرهط الثلاثة المسافرين، ومروراً بإلزام العائلة باطاعة ربها، والزوجة بالائتمار بأمر زوجها، وكذلك الامر في معظم امور المعاش والدنيا.

ولم يشذ الجانب العبادي في الاسلام عن سن وتشريع الاحكام الخاصة ببعض العبادات الرئيسة المتصلة بالامام، كصلاة الفرائض الخمس والصلوات الواجبة الاخرى، وغيرها.

وتزداد الخطورة حينما تتصل قضية الامامة بالحلقات الاهم والاوسع في ميادين السياسة والحكم والقيادة والريادة.

وتزداد تبعاً لذلك النصوص الشرعية في لكتاب الكريم  والسنة المطهرة الخاصة بذلك.

ومن استعراض لما تقدم في البحث يظهر ان الامامة، هي ضرورة حياة، ولازمة معاش ومعاد، فبموجبها يتم الفرز والتصنيف في الآخرة، وعليها يكون التعويل في ايلاء الناس استحقاقاتهم.

والامامة والخلافة بينهما اتصال وافتراق، فالاتصال يكون بالاشتراك بينهما في معنى القيام بأمر قيادة الناس وارشادهم والحكم بينهم والفصل في خصوماتهم.

اما الافتراق بينهما فيمكن ملاحظته من خلال القرآن الكريم في ذكره اياهما.

فقد قال عن داود النبي (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً (26))"ص"، وقالعن ابراهيم النبي ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124))"البقرة".

ومن النظر فيهما يظهر ان الخلافة المسماة لداود كانت موقوتة بزمان معين ومكان معين ايضاً، بينما كانت الامامة المذكورة لابراهيم ممتدة طول الزمان والمكان، وكانت رمزاً واسوة يقتدي بها الانبياء واتباعهم، حتى انها امتدت لتشمل الديانات كلها انتهاء بالدين الخاتم، حين يدعو الله سبحانه نبينا محمداً "ص" واصحابه والناس للاقتداء بالامام ابراهيم.

ومن ذلك يتحصل ان الامامة حالة ومزية عامة في بعدها السلوكي، وموقعها، وعطائها وجهادها ومنهجها.

تأمل في الآيات:

( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4))الممتحنة

( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68))آل عمران

( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125))النساء

( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123))النحل

 

الاعلى


 

[1][1]  مفتاح الباب/ لابي الفتح ابن مخدوم الحسني ص179.

 [2][2]مفردات غريب القرآن ص24.

الاعلى