المصطلحات السياسية والاجتماعية في القرآن الكريم

نحو نظرة قرآنية متكاملة لقضايا السياسة والمجتمع

(المجتمع والدولة)

الأمة 

التمهيد سنة التزيين
حقيقة المجتمع نظرياً نهاية الامم .. لكل امة اجل
الفصل الاول - الامة كيف تموت الامة؟
أركان وخصائص مصطلح الامة في القرآن: هل هناك ترابط بين اجل الكون واجل الأفراد واجل الامم؟
الفصل الثاني - وحدة الامة وتعددها الترابط والتلاقح بين الامم
الاختلاف بين الامم: ظاهرة التكذيب
تعدد مناهج العبادة حركة الامة - التحول والتبدل في مسيرة الامة
الترابط بين عمل الامة وهويتها الشعور بالحاجة للرسالة والمنقذ

  

المقدمة

  كلمات القرآن الكريم ليست كالكلمات المتداولة في سواه من الكتب والاحاديث ففي القرآن يكون لكل كلمة موضعها الذي لا تتخلف عنه، وجرسها الذي يستدعي ظلالها وايحاءاتها ليرسم جوّها الخاص، وزنتها التي تجعلها راجحة على الدوام في ميزان العقل والمنطق والشعور والاخلاق.

  فهي وان شابهت كلمات الآخرين في حروفها، الا ان نظمها وجريانها في سياق الآي الكريم يحيلها كائناً اخر فريداً في سماته، متسعاً في شبكة علاقاته مع غيره من كلمات السياق، تلك العلاقات المنظورة التي سبق للمفسرين معرفتها والقول فيها، وغير المنظورة التي سيكشف عنها الزمن ويفسرها، انها وباختصار شديد كلمات الله.

  ومن تلك الكلمات التي وردت في القرآن الكريم وتكررت فيه، حتى ليمكن اطلاق صفة المصطلح عليها كلمتا (الامة) و(القرية).

  وهذا البحث سوف يتجه الى تجلية معاني مصطلح "الامة" وما يرتبط به من مواضيع وقضايا، وصولاً الى رسم الملامح الاساس لنظرية القرآن الكريم الاجتماعية، وبلوغاً الى تأشير الخطوط العامة لتلك النظرية وكانت عدتي لتحقيق ذلك الهدف:

1ـ جمع الآيات التي ورد فيها ذكر تلك المصطلحات.

2ـ تصنيف تلك الآيات بحسب دلالاتها.

3ـ استخلاص نظرة كلية من ذلك التصنيف ، ومحاولة اكتشاف الرباط الجامع بين فئاتها.

4ـ الافادة من معطيات الدراسات الاجتماعية في النظر الى تلك الآيات الكريمات.

5ـ الانتقال الى تفريعات مرتبطة بالمصطلح الاساس موضوع البحث مثل الاختلاف بين الامم وكيفية طرح القرآن، وهلاك القرى.

6ـ الرجوع الى بعض المعاجم اللغوية المختصة بالمعاني كمعجم مفردات غريب القرآن للراغب، ولسان العرب لابن منظور، لتحديد معنى المصطلح ودلالاته.

7ـ مراجعة قسم من التفاسير الموسعة كتفسير الميزان، والموجزة كتفسير شبر، والافادة من ذلك في استكمال الصورة المستفادة من معاجم اللغة المذكورة آنفاً.

8ـ الخروج من ذلك كله بنتائج منطقية مرتبة تقارب واقع الحال، او تمثله.

  وقد سبق مني القول والمحاضرة في بعض افكار هذا المبحث ونتائجه ضمن لقاءات اذاعية حول التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.

  ورأيت ان تخرج تلك المقولات في كتاب مستقل لأهمية ذلك المبحث تاريخياً واجتماعياً.

  وكان لانشغالي كبير الاثر في تراخي مدة البحث وطولها، اذ بلغت تلك المدة سنواتٍ وصلتْ بين نهايتيه المتباعدتين.

  وأملي ان يكون هذا المسعى خطوة في هذا الطريق، عسى ان تعقبها خطوات تكمل تلك البداية، او تحفز الآخرين للاضافة المؤمنة الجادة، وما توفيقي الا بالله.

الاعلى

 

التمهيد

  تكرر ورود مصطلح "الامة" في القرآن الكريم نيفاً وخمسين مرة، باستخدامات متعددة.

  كما وردت في القرآن الكريم مفردات اخر تشير الى "المجتمع " منها:

 الناس، القوم، العشيرة، القبائل ، الشعوب، البلد، القرية، الإنسان "البشرية" القرون، ...

  وهي تدل على مجموعة من الافراد بشكل عام.

  ويلاحظ ان هناك مفرداتٍ تشير الى مجموعة من الافراد ولكن ضمن منظور عقائدي، او موقف سياسي او صفة اخلاقية، او اعتبار اقتصادي، كامثال:

 الذين آمنوا، المؤمنون ، الذين كفروا، الكافرون، المنافقون، المسرفون، الكاذبون، الذين استضعفوا، الملأ، السابقون، اصحاب اليمين، اصحاب الشمال..

  والتقسيمات التي تستند الى المقاييس العقائدية والسياسية والاقتصادية لا ترتبط بموضوع بحثنا بشكل جوهري، اذ ان البحث هو في الاطار العام للنظرية الاجتماعية في القرآن الكريم ، الا انني قد أعرض لتلك المفردات عند الحديث عن الابحاث الثانوية المتفرعة من المصطلحات الاساس "موضوع البحث".

  ويتبين لنا من خلال مراجعة تلك المفردات "الناس" القبائل، القوم.." ان اكثرها اهمية هي الامة والقرية، اما المصطلحات الاخر فانها لا ترقى الى مصطلحي "الامة" و"القرية" من حيث دلالتها وطريقة تناول القرآن اياها.

 ولاهمية مصطلح الامة ولخصوصية طرح القرآن لهذا المصطلح فسوف نبدا ببحثه.

  وقبل ذلك سوف نستعرض بايجاز بعض معطيات الابحاث في المجتمع حديثاً.

الاعلى

 

حقيقة المجتمع نظرياً

 ان الابحاث بخصوص المجتمع لم تنته الى قول حاسم، ولا تزال موضع اخذ ورد، فهناك نظريات مختلفة في الاوساط الحوزوية العلمية وخارجها، ومدارس متعددة.

  فمن ذلك ما نجده واضحاً في كتاب الشيخ مطهري "المجتمع والتاريخ" وفي كتاب الشيخ مصباح "المجتمع في القرآن الكريم " وفي غيرهما من الكتب، حيث تدور هذه الابحاث حول معرفة حقيقة المجتمع وصفاته الذاتية والعرضية، وحول نوع التركيب الاجتماعي، وهل وجود المجتمع حقيقي او اعتباري؟ وحول النظريات المطروحة في تكون المجتمع.

  وتأتي اهمية هذه الابحاث الفلسفية والتاريخية من أنها تشكل الاساس النظري لفهم الظاهرة الاجتماعية، ومن وصفها في سياق قوانينها الملازمة لها، ثم من تفسير النتائج والظواهر والتوقعات المرتبطة بها.

  ولتوضيح اهمية تلك الابحاث وقيمتها العلمية وآثارها النظرية، نضرب مثلاً في بحث حقيقة المجتمع، هل هو حقيقي واصيل او اعتباري وغير اصيل؟

  فإذا اعتبرنا اصالة المجتمع كما يقول صاحب تفسير الميزان، فسيكون له شيء من الوجود الحقيقي الذي تنطبق عليه احكام الوجود، ومنها الحركة الجوهرية اذا قلنا بها، وبذلك يكون المجتمع في صيرورة تكاملية، وفي حركة تصاعدية نحو الافضل في محصلته العامة.

الاعلى

 

الفصل الاول

 الامة

       سوف نركز في بحثنا على مصطلح الامة في بعده الاجتماعي فقد ورد في القرآن الكريم تارة بمعنى فترة ومدة وزمن {واذّكر بعد أمة} يوسف/45، وورد بمعنى طريقة ومنهج تارة اخرى {إنا وجدنا آباءنا على أمة}الزخرف/22.

  وعندما نريد ان نحلل هذا المصطلح "الامة" يستحسن ان نرجع الى معجم مفردات غريب القرآن للراغب ـ كمعجم لغوي مختص ـ لنجد فيه ما يعيننا في بحثنا اللغوي، لننتقل منه الى بحث مضامين. المصطلح قرآنياً، وقد يتفق البحثان اللغوي والاصطلاحي القرآني، وقد يختلفان، كما سيتبين في نهاية البحث.

  فالراغب الاصفهاني يعرف "الامة" التي تكررت في القرآن اكثر من خمسين مرة بأنها [كل جماعة يجمعهم امر او دين واحد او زمان واحد او مكان واحد سواء أكان ذلك الامر الجامع تسخيراً ام اختياراً، وجمعها امم] انتهى.

  ونجد في هذا التعريف ان تعريف الامة يشمل اموراً هي:

الجماعة التي تشترك في دين او مكان او زمان، وهذا الاشتراك قد يكون بالاختيار كما هو الحال في الدين او بالمهمة او الطريقة كما هو الحال في الاحزاب والجمعيات والتيارات، او يكون الاجتماع غير اختياري في الزمان او المكان او الدم او اللغة كما هو الحال في الشعوب والقوميات.

  ويتفق علم الاجتماع  في تعريفه للامة مع تعريف الراغب في عمومه واصوله بوجود امور جامعة مشتركة بين هذه الجماعة من الافراد، الا ان علم الاجتماع يختلف عن ذلك في تساؤله عن الامر الاكثر اهمية وفاعلية في لمّ هذه الجماعة وشدها ليشكل منهم وجوداً مترابطاً، هل هو الدين او اللغة او الدم او التاريخ المشترك او المصالح المشتركة؟

  وقد يكون لكل امة "أمرٌ" جامع كان سبباً خاصاً في اجتماعها وتوحدها، مشكلاً منها نسيجاً خاصاً ووجوداً متماسكاً يختلف عن غيره من التجمعات.

  والمهم في بحثنا ان نعرف الى أي امر جامع يشير القرآن الكريم ؟ وهل يجعل الزمان او المكان الواحد هو ركن تكون الامة وشرطها؟ أو انه يلحظ في طرحه مصطلح الامة الدين او الطريقة او الهدف كأمر جامع يُميزها عن بقية الامم ويكون الزمان والمكان والعنصر وجوداً ثانوياً باعتباره محل هذا التجمع.

   نلاحظ ان القرآن الكريم يرفض المكان والزمان كعنصر محدِّد للامة، كما في قوله تعالى {ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون}الانبياء/92، وسوف يتضح هذا المعنى اكثر خلال البحث.

  والبعد الاخر في هذه الجماعة المتفقة والمجتمعة على أمر واحد، انها بسبب هذا الامر الجامع بينها والذي كان سبباً للاجتماع وللترابط بين افراد الامة الواحدة، هذا الترابط الذي يجعل هذه المجموعة ليست مجموعة افراد فحسب (يعني ليست هي زيد + عمر + اسامة) ، أي ليست جمعاً عددياً فقط، أنها بسبب هذا الامر الجامع بينها ظهر امر آخر غير هذه الاضافة البسيطة التي بين الاعداد او الوجودات المحددة، ذلك الامر هو التجمع الذي يتشكل منه وجود له اعتبار آخر يجعل منه وجوداً اجتماعياً له كيانه وطبيعته الخاصة، وله سماته وله شخصيته الخاصة التي تحدد سلوكه وعاداته وردود افعاله وطريقة تعامله، فهو منظومة ثقافية، ومنظومة سلوكية تميزه عن غيره، بحيث لو اخذنا أي فرد من هذه الامة او الجماعة المجتمعة على هذا الامر الجامع، بصورة عشوائية فاننا سوف نتلمس بوضوح هوية ولون هذه المنظومة الفكرية والثقافية والاخلاقية للامة في هؤلاء الافراد فرداً فرداً، وان تفاوت في الشدة بحسب اختلاف الافراد في اشتدادهم وتفاعلهم مع هذا الامر الجامع.

   فيمكننا اذن ان نجد هوية الامة وشخصيتها في هوية هذا الفرد او ذاك من هذه الامة، ونتلمس ملامح "الامر الجامع" في سلوك الافراد وفكرهم وثقافتهم واهدافهم بل حتى في سماتهم الاجتماعية.

  فالامر الجامع الذي يجمع الافراد ضمن كيان الامة يمكن تحديده ضمن النظام السياسي والقيم الاجتماعية السائدة، وبالتعبير الاشمل، الدين والمثل الاعلى للامة الذي يتضمن كل هذه المعاني.

  وهذا "الامر الجامع" على حد تعبير الراغب يوحد الافراد ويحولهم الى وجود آخر هو الامة، ويلون هذه الامة ويحيلها نسيجاً خاصاً، ويميزها عن باقي الامم التي قد تشترك معها في الزمان والمكان، وقد تشترك معها احياناً في تجمع سكاني واحد.

  فليس العنصر المهم في هذا "الامر الجامع" هو الظرف الزماني والمكاني، بقدر ما هو الهدف والغاية، والمثل الاعلى الذي يميز افراد هذه الامة عن تلك الامة.

   وكذلك ترى ان (الامر الجامع) يصبغ كل فرد في هذه الامة بلونه وصبغته وحقيقته، فيكون كل فرد فيها معبراً بشكل او بآخر عن هذا "الامر الجامع"...

  والسؤال الذي يختلف في الاجابة عنه العلماء هو : هل صُهر الافراد في هذا الوجود الاجتماعي الذي يتكون منهم بحيث يكون الناتج مركباً جديداً يختلف في خصائصه عن خصائص عناصره المكونة منه في سماته وطبيعته وحقيقته عن طبيعة وصفات افراده الذين تركب منهم؟.

  كما هو الحال في المركب الحقيقي كالماء الذي يختلف في صفاته عن صفات عنصريه الاوكسجين والهيدروجين.

  او ان الامة ليست الا خليط لهذا الجمع من الافراد بصفاتهم وخصوصياتهم الفكرية والنفسية والسلوكية، والناتج من هذا المجموع خليط من مجموع هذه الصفات والسمات الثقافية والسلوكية للمجموع، فلاوجود حقيقياً للامة وللمجتمع خارج عن وجود الافراد وصفاتهم وخصوصياتهم، فالامة والمجتمع كالخليط من التراب والماء، الذي يمكن ان نجد فيه صفة التراب وصفة الماء، ويمكن عزلهما، وليس الحال كالمركب الذي تنصهر عناصره وتندمج لتشكل مركباً آخر مختلفاً عن مكوناته.

  يختلف العلماء المسلمون المعاصرون في اجاباتهم عن هذا الشان، فترى بعضهم يميل الى ان الامة او المجتمع مركب حقيقي كصاحب تفسير الميزان، ويرى آخرون العكس كالشيخ مصباح، اما الشهيد الصدر فله راي وسط في الموضوع ويمكن ملاحظة ذلك في تفسيره الموضوعي.

  والمهم في بحثنا ان نتلمس التصور القرآني وما يحدده من اوصاف او شروط او اركان لهذا المصطلح او لهذا الوجود (الامة) وان نتبين مراحل هذا الوجود والاوضاع التي يمكن ان يمر عليها او يتلبس بها.

  وقد نستنتج من مجموع الآيات وما تكشف عنه ما يقربنا من هذا الرأي او ذاك من اراء العلماء، لكننا حريصون على فهم الرسم القرآني لهذا المصطلح والحدود التي يحدده بها، كهدف رئيس للبحث، من اجل ان نرسم ونحدد اهم ملامح النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم ومعالمها، ومنها نصل الى الاجابة عن السؤال: هل ان المصطلح القرآني (الامة) مرادف لمصطلح المجتمع بالتعبير  العلمي الاجتماعي؟او ان هناك  فروقاً بينهما؟

  في القرآن تعبيرات متعددة لمجموع الافراد، وللافراد الذين بينهم امر مشترك ويشكلون وجوداً اجتماعياً مشتركاً، ويطلق عليهم عنواناً واحداً كما هو الحال في الشعوب والقبائل والناس والقوم والقرية، كما اشرنا في اول البحث.

  فما هو الفرق بين الامة وبين القرية، وبين الامة وبين القوم، او بين الامة وبين الشعوب من وجهة نظر قرآنية بحتة؟ من اجل فهم المصطلحات الاجتماعية القرآنية بشكل محدد ودقيق، لكي تتبلور النظرية القرآنية للمجتمع، ويتضح الفهم الصحيح لمدلول القرآن في هذه المجالات.

  ولكي تتضح الصورة لمعالم الامة ونميزها عن باقي المصطلحات الاجتماعية في القرآن الكريم سوف نستعرض استعمالات القرآن لهذا المصطلح، وما يمكن استنتاجه منها في مواردها المختلفة.

  ومنهجنا هو تحديد طريقة تناول القرآن لهذه المفردة اللغوية "الامة"، وطريقة استعماله اياها، ومن مجموع هذه الاستعمالات نفهم المضمون الخاص الذي يضعه القرآن لهذا المصطلح.

الاعلى

أركان وخصائص مصطلح الامة في القرآن:

  وفي بحثنا مصطلح الامة نجد ان هناك تأكيدات قرآنية على جملة امور وخصائص تلازم الامة، وهذا التأكيد القرآني يرد تارة بكلمة "كلما"، ويرد تارة اخرى بكلمة "لكل" وبذلك يثبت القرآن الاطراد في هذه الخصائص للامة، ومن مجموع هذه الخصائص المطردة نستنتج حقيقة هذا المصطلح ومفهومه بحدوده القرآنية.

  وسوف نستعرض هذه الاطرادات والتلازمات التي يذكرها القرآن الكريم في معرض ذكره للامة.

  لكل أمة رسول ومنذر:

{وإن من امة الا خلا فيها نذير} فاطر / 24.

{ولقد بعثنا في كل امة رسولاً ان اعبدوا الله} النحل/ 36.

{ولكل امة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط} يونس / 47.

  من هذه الآيات المباركات وغيرها من الآيات الخاصة بهذا الموضوع والمشيرة الى بعث الانبياء الى الامم والى القرى وخاصة القرى الرئيسة التي تعد مركزاً للحضارة او العاصمة المركزية لمجموع القرى، والتي يسميها "بالأم"، وكأن القرى الاخريات نبات متفرعات ومرتبطات بالانتساب والاحترام للقرية الكبيرة القديمة (الام):

 {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في امها رسولاً} القصص/ 59.

{ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} الفرقان/ 51.

  من النظر في تلك الآيات الكريمات تظهر لنا حقيقة مهمة هي ان بعث الانبياء يكون الى الامة وليس الى الافراد ولا الى مجاميع من الافراد، البعثة الى الناس عموماً وليس الى تجمعات سكانية متفرقة لا رابط بينها الا السكن او المكان او مصالح محدودة يتفرقون عند انتهائها، كالبدو.

 ان الاطراد والتأكيد القرآني الواضح يشير الى ان الرحمة الالهية ببعث الانبياء والرسل كان للامم {ولقد بعثنا في كل امة رسولا} النحل / 36، أي الى المجموعة السكانية التي لها رابط ومثل اعلى يجمعها، وبه تتشكل هويتها وثقافتها وحياتها، ولم يشر القرآن الكريم الى ان بعث الانبياء والرسل كان للافراد كأفراد وشخصيات متفرقة.. وانما للافراد بصفتهم الاجتماعية وضمن جماعة وامة، وبتبع انتمائهم الاجتماعي ووجودهم الحضاري شملهم لطف الله ورحمته ببعث الانبياء.

  واذا صح هذا الافتراض فانه يفتح فهماً آخر ومنظوراً جديداً، ويؤسس تصوراً يمكن ان يفيد في الاجابة عن كثير من القضايا والتساؤلات، وفهم قضايا رئيسة في المعرفة الدينية والفقهية.

  وكمثال على ذلك بحث الحجة والبيان ووصول التكليف، وقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وهل المنظور فيها وصول التكليف والحجة والبيان الى كل فرد فرد؟ او ان المقصود هو وصول الحجة والبيان للامة المشخصة بالخطاب الالهي وببعث الرسول اليها وليس لكل فرد فيها، وهل الفرد مشمول بالخطاب، وصل اليه التكليف شخصياً ام لم يصله؟

  وفهم هذه المسألة أي بعث الرسل للامم وليس للافراد، يؤذن ببحث فلسفي وعلمي في ان المجتمع هل هو وجود حقيقي له احكام الوجود، ومشمول بالحركة الجوهرية التكاملية التصاعدية، لان المجتمع لو لم يكن كذلك لم يختص ببعث الانبياء ومخاطبته وشموله بالرحمة الالهية، كل ذلك باعتبار ان الامة وجود حقيقي قابل للخطاب والتكليف والحساب، والنمو والموت وما شابه، صحيح انها تتكون من مجموع الافراد الذين يوجه لهم الخطاب باعتبار حياتهم وتعقلهم ونموهم وحشرهم وحسابهم، فهي احكام مشتركة بين الافراد والامة، ولما كان الاساس في وجود الامة هم الافراد بما يمتلكون من هذه الصفات فلا داعي لتحويلها الى الامة. اذ ليست الامة غير مجموع الافراد بما يمتلكون من هذه الصفات.

  ولعل الجواب الذي يرد هذه المقولة، هو ان القرآن الكريم اكد على ان البعث "للامة" بما هي امة، وان هناك تلازماً بين وجود الامة كأمة وبين شمولهم بالرحمة الالهية ببعث الانبياء.

  وهذا التلازم ما هو الا اشارة الى الوجود الحقيقي للامة، ولحاجتها الى الرسل والمنذرين {وان من امة الا خلا فيها نذير} فاطر / 24.

  وان مهمة الدين والرسالة ليس صلاح الافراد كأفراد بقدر ما هي صلاح الجماعة والمجتمع، وما يستلزمه من انظمة وبرامج وقوانين، تتعدى مسألة الصلاح الاخلاقي للفرد وتفوقها.

  ومهما يكن من شيء فقانون بعث الانبياء لم يكن يشمل كل قرية، وبتعبير آخر، لا يشمل كل مجموعة من الافراد فضلاً عن كل فرد، بدليل الآية الكريمة {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} الفرقان/ 51.

  فليس مدار بعث الانبياء على الافراد او على مجموعة منهم، ما لم يتحول هؤلاء الافراد المجموعون الى وجود نوعي آخر اكثر تطوراً هو "الامة" بما تمثله حقيقتها من صفات وواقع.

الاعلى

  

الفصل الثاني

وحدة الامة وتعددها

   يتحدث القرآن الكريم عن الامة الواحدة من زوايا مختلفة سوف نتعرض لها، كما يتحدث عن الامم وعن الاختلافات بين الامم بصورة عامة، ويتعرض الى الاختلاف في شرائع ومناسك ومناهج ملل الايمان والاديان، فعلى الرغم من كونهم امة دين الله الواحد نجد ان شرائعهم ومناسكهم ليست واحدة[1]، فالقرآن الكريم يؤكد انه : {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} المائدة/ 48.

 

الاعلى

الاختلاف بين الامم:

الاختلاف العام بين الامم

  قبل ان نشير الى تصور القرآن حول هذا الموضوع، من المفيد ان نشير الى الخصوصيات التي بها تتمايز الامم وتختلف المجموعات البشرية.

  ويمكن تصنيف هذه الخصائص والحديث عنها تحت العناوين الآتية:

1ـ الاختلاف التكويني والطبيعي:

  تختلف الاجناس البشرية والسلالات فيما بينها اختلافاً تكوينياً وطبيعياً في سماتها وملامحها، كلون البشرة وحجم الراس وشكله، والطول، وحجم اعضاء الجسم وتناسبها، ومن مظاهر الاختلاف اللغة، {ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم، ان في ذلك لآيات للعالمين} الروم / 22.

  وهذا الاختلاف التكويني بين الاجناس بألوانها الاسود والاصفر والابيض، وبشياتها، من الدلائل والآيات على نعمة التنوع في العطاء الالهي، وعلى خصوبة ذلك العطاء المتجه نحو حفز الامم والاجناس المختلفة للتوحد ونشدان الكمال في حدودهم، فمن خلال ذلك الاختلاف يتم التعارف بين المختلفين، ويتم التلاقح بين افكارهم والتكامل، {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} الحجرات/ 13.

  غير ان الذي يحكم الإنسان منذ ولادته هو حدود قدراته، وامكاناته.

 

2ـ الاختلاف في المكان

  تنعكس آثار المكان على اخلاقية الإنسان وسلوكه، فسكان المناطق الحارة يختلفون في امزجتهم عن سكان المناطق الباردة، وقد يتفاعل مجموع هذين العاملين التكويني والجغرافي ليشكل ظاهرة الاختلاف في المجموعات السكانية، والتي تشير اليها الآية الكريمة {وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم} الانعام/ 38.

  والآية {ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك} فاطر/ 28 .

  ولعل الاشارة القرآنية الى التشابه بين الانسان وبين الحيوان في انقسامهما على اصناف واجناس  وانواع مختلفة هي اشارة الى وحدة نوع الاختلاف الذي يميز اصناف الناس والحيوانات ويرجع اصله الى الاختلاف الطبيعي التكويني الذي ليس للانسان فيه يد او دور، صحيح ان التمايز القومي والعنصري واللغوي أمر تكويني لا يمكن اغفاله او تجاوزه او محاربته، ولكن ليس من الصحيح ان يكون للتمايز القومي قيمة تفاضلية بين البشر لان هذا التمايز مستواه بمستوى التمايز بين الحيوانات.

  فالانتماء والاهتمام القومي واللغوي والعرقي امر مقبول، وحقيقة لا يمكن تجاوزها لانها جعل الهي ولكن كون العامل القومي او اللغوي خصوصية تشريعية او قيمية او تفاضلية هو امر لا يقره القرآن، ذلك ان الاختلاف التكويني ابداع الهي وان التفاضل السلوكي والاخلاقي مردّه الى التسابق بين البشر في الخيرات ودرجة القرب من الحق والكمال والتقوى {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} من اجل التعارف {ان اكرمكم عند الله اتقاكم} الحجرات/ 13. {ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين} الروم/22 {ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه} فاطر/ 28.

الاعلى

3ـ الاختلاف في الزمان

  ويمكن ملاحظة خصوصية ثالثة يمكن ان تضاف الى سابقتيها لتساهم في ابراز الوان الاختلاف بين الامم، وتلك هي الاختلاف في الزمن والعصر الذي تعيش فيه الامة، والاحداث والظروف السياسية، والمصاعب التي مرت بها كل امة، والمستوى الحضاري الذي وصلته، واثر ذلك على ثقافات الامم وتفكيرها وقيمها واهدافها، ومن اشكال الاختلاف، الاختلاف في الادارة والتشريع والفهم الفلسفي للحياة، وهذا المستوى في الاختلاف يعبر عن الاختلاف في الفهم والادراك الانساني.

الاعلى

 

تعدد مناهج العبادة

  الاختلافات السابقة العنصرية والجغرافية والتاريخية وما شابه ذلك يعتبرها القرآن جعلاً الهياً وقدراً خلق البشر عليه فكان هذا التنوع في الانسانية، تنوع في المظاهر، وتلون في وجود واحد من اجل مزيد من الجمال، وتنوع وتعدد في جنس واحد وماهية واحدة، غير ان القرآن لا يعتبر ذلك اختلافاً وموضوعاً للصراع والتفاضل والتدافع، فهناك جعل آخر وقدر الهي آخر للتعدد وللتنوع بين البشر به تبرز ظاهرة تعدد الامم واختلافها، مع وحدتها الانسانية ـ هذا التنوع المشار اليه بقوله تعالى : {لكل امة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} الحج/ 67 وبقوله تعالى {وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكلٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} المائدة / 48.

  فالآيتان تناولتا الجعل الالهي للتنوع والاختلاف في الشرائع الالهية ومناسك العبادة التي يعتبرها القرآن ظاهرة مطردة مع وجود الامم حيث تقول الآية {لكل امة..} أي هناك جعل الهي وتشريع، فلابد للامة من منهج عبادي وتؤكد الآية الاخرى خصوصية هذا المنهج العبادي {لكلٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} المائدة / 48 .

  ويزيد القرآن ذلك التأكيد بان ذلك مشيئة الهية وقرار الهي، فقد كان بالامكان ان يكونوا ضمن منهج واحد وامة واحدة ومنسك عبادي واحد، لكن الله شاء ان يكون هناك تعدد، {ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة} المائدة/ 48 فلماذا كان هذا الاختلاف؟

  ان الاختلاف في التشريعات بين الامم قد يكون راجعاً الى خصوصية زمانية او مكانية او لاوضاع معينة وظروف وحالات تستدعي هذا التنوع في الاحكام، خصوصاً اذا سلمنا ان الاحكام والتشريعات تابعة للمصالح والمفاسد، واذا سملنا كذلك بمبدأ المرحلية في التشريعات وانها منسوخة بالرسالة الخاتمة.

  لكن الاشكال يبقى في حكمة الاختلاف في المناسك والعبادة والسبل التي تقرب الى الله تعالى، الم يكن اقرب الى هذه الوحدة المؤمنة ان يكون شكل عبادتها واحداً؟ وان وحدة العبادة تساهم في تماسكهم.

  وفي نزع الخلاف بين اهل الاديان؟ {ان هذه امتكم امة واحدة} الانبياء/ 92 .

  واذا كانت العقيدة والمضمون الفلسفي والفكري من اصل واحد في جميع رسالات النبوات، حيث تستند الى توحيد الله وطاعته وعبادته {ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون} نوح/ 3 {اعبدوا الله واتقوه} العنكبوت/16.

  فلماذا كانت المناسك العبادية مختلفة؟

  والجواب مدلول عليه بقوله تعالى {.. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} المائدة/48.

  فالآية تشير الى امكانية رفع هذا الاختلاف بين الامم، عندما يكون لها منسك واحد وشرعة واحدة، لكن الله شاء ان يكون الاختلاف في المناسك والشرائع لحكمة الابتلاء والتمحيص في الالتزام والعمل بالشريعة، فهذا التمايز بين الامم يدفع الى التطور والتسابق بينها في اعمالها ويحفزها نحو التكامل مع التأكيد على ان مرجع الإنسان ومصيره الى الله {الى الله مرجعكم جميعاً} المائدة/48.

  وقد يكون مرجع الاختلاف  بين الامم الى التطور في حياتها كالذي يحصل من الاختلاف في الشرائع من حيث تفاصيلها المرتبطة بواقع الحياة والمتطورة بتطورها، الا ان الاصول ثابتة في الاحكام وفي الشرائع، وكذلك الاصول العامة في العبادات والمناسك  فهي واحدة في كل المناهج والشرائع السماوية.

  وهذا التنوع والتعدد ملحوظ فيه الاوضاع والاعراف والحس العام في الامة، ومكان نزول الشريعة والوضع التاريخي الذي ترتبط به الامة، فلكل تلك العوامل تأثير في صياغة بعض شكليات ومظاهر المناسك مع الحفاظ على مضمونها الالهي، فمن الصعب ـ على سبيل التمثيل ـ على انتشار دعوة المسيح ان ترتبط امته في فلسطين بالكعبة وبمكة التي لا يجد قومه رابطة تربطهم بها.

  وقد يكون هذا الاختلاف اشارة الى تعدد السبل الى الله، وانها جميعاً موصلة اليه، وليست سبباً للخلاف والصراع ما دامت مجعولة منه، والحكمة من ذلك هي الابتلاء والتمحيص بالالتزام بما وصل من التشريع، أي الطاعة والعمل، وعلى ذلك يكون مقياس التقييم والمفاضلة بين الامم مدى تسابقها في الخيرات والعمل الصالح لا التفاضل بالمناسك والعبادات والتشريعات فحسب من دون الالتزام بها.

  وبالنتيجة فهذا الاختلاف في الامم من ناحيةالشرائع والمناسك امر الهي، وجعل رباني لحكمة فيه تتناسب مع المسيرة البشرية، وهذا لا يتعارض مع وحدة الدين.

الاعلى

 

الاختلاف والصراع بين الامم

 

  من كل ما سبق نصل الى ان القرآن يؤكد ان الناس امة واحدة باعتبار التجمع والهموم والاهداف والدين الواحد، ثم انشقوا الى امم، وسبب هذا هو العلم والتكذيب والارادات والاهواء والمصالح المختلفة، {كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم..} البقرة/213.

  ويجمع هذه الاختلافات بين الامم عنوانان عامان كبيران كما هي الحال في الحياة الانسانية الفردية، وهما: الصالحون، وغير الصالحين، او امة الايمان وامة الشرك، او الامة المرحومة والامة الظالمة والملعونة، وهذا هو التقسيم الرئيس الشائع للامم في القرآن الكريم {ولو شاء الله لجعلهم امة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} الشورى / 8 {وقطّعناهم في الارض امماً منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} الاعراف / 168.

  وعندما يشير القرآن الى الاختلاف بين الامم يشير الى الصراع بين دعوة الخير والصلاح من جهة وبين الظلم الاجتماعي والاوضاع الشاذة السائدة في المجتمع من جهة اخرى، وكأنه يشير الى الصراع بين امتين في مجتمع واحد، والى الصراع الداخلي الذي يعبر عن التكامل والاستبدال {فلولا كان من القرون من قبلكم اولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض الا قليلاً ممن انجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين} هود/116 ليقرر في هذه الآية سنة الاختلاف.

الاعلى

 

الامة الواحدة

  يتعرض القرآن الى الامة الواحدة كما يتعرض الى الاختلاف والتعدد في الامم، ويبدو ان القرآن يطرح هذه الامة الواحدة في موضعين ومجالين محددين، فهناك شكلان ومظهران لوحدة الامة يطرحهما القرآن، هما:

1ـ الامة الواحدة في بدء الخليقة

  فالقرآن يشير في اكثر من موضع الى ان الناس كانوا امة واحدة، ويبدو ان الامر الجامع في هذه الامة الواحدة ليس المكان والزمان فحسب، وانما هو المصالح والفهم البسيط المشترك، وبتعبير آخر، الجهل وعدم العلم وعدم التشريع وعدم وجود النظام، كما هو الحال في المجتمعات البسيطة، ثم تتطور الحياة البشرية من خلال التجمع والتكاثر فتتعدد المصالح والآراء وتظهر الحاجة الى نظام اجتماعي واداري لهذا التجمع الاوسع، وتظهر الحاجة الى التشريع للحفاظ على الحقوق والمصالح، ولتحدد في مقابلها الواجبات وما يستلزمه ذلك من تحديد العقوبات حين التجاوز على الحقوق، ومن توجه صحيح للبشرية نحو بارئها، وما يستدعيه هذا التوجه من تكامل اخلاقي وسلوكي فردي وجماعي كي تسير البشرية في طريق تكاملها.

  وكل تلك الامور اقتضت انزال الرحمة الالهية وفق اللطف الذي وصف به نفسه، وبعث الانبياء والمرسلين  هداة للبشرية في مسيرتها التكاملية، وتلبية لحاجاتها الضرورية للاستمرار في الحياة، فكانت الرسالة والتشريع والهداية {كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم} البقرة/213 .

  والآية واضحة في بيان كيف بدأ الاختلاف وما هو موضوعه وما هي حقيقته.

  من ذلك نصل الى ان البشرية في بدايتها كانت امة واحدة ثم اختلفت بسبب الاجتماع وتعدد المصالح والآراء،وهذا الاختلاف فطري وطبيعي ، وكانت الحاجة الى بعث الانبياء مبشرين ومنذرين وحاكمين ورافعين للاختلاف، ثم حدث البغي بكتمان العلم والاحكام التشريعية او تحريفها وفق الاهواء والمصالح او ادخال اهواء الحكام او علماء السوء على الكتاب، وذلك قوله تعالى {وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم} آل عمران/ 19.

  وقوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات} آل عمران/ 105 وقوله {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم}يونس/93.

  وهذا الاختلاف غير فطري بل تحريفي يمثل بغي الإنسان وتقصيره بحق الرسالة الالهية الواحدة.

الاعلى

2ـ امة الايمان الواحدة

  الامة الواحدة الثانية التي يشير اليها القرآن في اكثر من موضع هي امة الانبياء الواحدة عبر العصور والازمان وعبر الاماكن المختلفة، فقد كانت هناك امة واحدة معبرة عن امر واحد ودين واحد، وهذه الامة متواصلة بدينها الواحد ونظامها وتشكيلها الواحد، وممتدة طولاً عبر الزمان، وعرضاً عبر المكان.

  وقد يكون لهذه الامة الواحدة الوان مختلفة في التشريع او في المنسك تبعاً لظروف الزمان والمكان والموضوع، ولكنها كلها معبرة عن دين واحد واصول واحدة في التصور والتشريع، ونظرة مشتركة للكون وللانسان تدعو الى التزامات رئيسة واحدة، حتى كأن كل مقطع يكمل المقطع الاخر في مسيرة متواصلة مترابطة ويبشر اولها بآخرها، ويفسر بعضها بعضاً.

  وقد اكتملت هذه المسيرة الربانية الايمانية بالنبي الخاتم، واتضح هذا الدين الواحد بالرسالة الخاتمة.

  وقد تنقسم هذه الامة الى مجاميع يسميها القرآن "احزاباً" وقد تكون هذه الاحزاب ضمن دائرة الامة المؤمنة الواحدة،ولكن يبقى العمل الصالح والتقوى مقياساً للتمايز بين هذه المجموعات والاحزاب، بعد التسليم بصحة ما عندها وشرعيته، غير ان مشكلة كل مجموعة هي انكماشها وتحجرها على ما عندها لتصورها انه الحق، وما عداه باطل.

  وهذا الغرور والاعجاب عند المجاميع المؤمنة يمنعهم من معرفة السبيل المستقيم،وان كان كل منها يمثل سبيلاً من السبل نحو الله، لكنها ليست الصراط المستقيم، {يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً اني بما تعملون عليم، وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون، فتقطعوا امرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون} المؤمنون/ 51ـ53، و{ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون، وتقطعوا امرهم بينهم كل الينا راجعون، فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وانا له كاتبون} الانبياء/92ـ94.

الاعلى

 

لكل أمة شاهد

  الحشر الاممي: يتعرض القرآن الكريم في حديثه عن الامم الى موضوع غريب ومهم، وفيه الكثير من الاسرار والاشارات والخصوصيات القرآنية، ذلك هو موضوع حشر الامم.

  كما يتعرض القرآن في حديثه عن الامة الى اجلها ونهايتها وعقابها، وحشرها وكيف ان الامم كلها سوف تجتمع في ساحة الحشر والحساب في انتظار حسابها، وكيف تدعى كل امة بامامها ورمزها وقائدها المعبر عنها.

 {يوم ندعو كل اناس بامامهم} الاسراء/ 71، {وترى كل امة جاثية كل امة تدعى الى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون} الجاثية/ 28.

  {قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا ادّاركوا فيها جميعاً قالت اخراهم لاولاهم ربنا هؤلاء اضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} الاعراف / 38.

  وتدعى كل امة الى كتابها.. وكأن هناك قبل الحساب الفردي حشراً وحساباً وعقاباً للامم، وبالتالي حساباً للعصر البشري وللحضارات وللمسيرة البشرية.

الاعلى

 

شهادة الامام والنبي على الامة

  كما ان لكل فرد في حسابه الفردي كتاباً وشاهداً، {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} الاسراء/14، فكذلك الامة، سيكون "الشاهد" منتزعاً من عموم حياة الامة وصراعاتها ومعاناتها، عارفاً باحوالها واوضاعها ومواقفها والاتجاهات فيها، {ويوم نبعث في كل امة شهيداً عليهم من انفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} النمل/89.

 وقوله تعالى {ونزعنا من كل امة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم} القصص/75.

  ولابد لهذا الشاهد ان يكون اهلاً للشهادة، من حضور ومعاينة ومعايشة للامة واوضاعها، وهذا يستلزم ان يكون في الشاهد خصوصيات وصفات، منها: العناء والرقابة والتواجد والحضور والمعرفة الدقيقة بحال الامة واتجاهها، ولعل في اختيار القرآن كلمة النـزع اشارة لكل هذه المعاني {ونزعنا من كل امة شهيداً} القصص/75.

  ولابد ان يكون هذا الشهيد الرقيب من الامة نفسها، ومن عصرها، وحاضراً في اوضاعها وعارفاً بأحوالها وبالمرحلة التي تعيشها البشرية او الامة المحاسبة والمشهود عليها، فهو ليس من عصر آخر او امة اخرى، كل ذلك لكي تكون الشهادة اصدق وادق وابلغ حجة واكثر تأثيراً من الشهادة التي تكون من خارج الامة او العصر. وتلك الشهادة تشبه شهادة الانسان على نفسه او شهادة جوارحه عليه.

  فلابد لكل امة من شهيد كما يشير الى ذلك القرآن، ولابد ان تمر الامة كل امة بمرحلة الحشر الاممي والحساب الاممي لتقام عليها الشهادة من داخلها، ومن نفسها بهذا الشهيد.

 {فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد} النساء/ 41.

 وكما ان لكل امة رسولاً او نبياً يؤدي في الحياة الدنيا دور الابلاغ والانذار والهداية، فان هذا النبي او الرسول يكمل دوره في الحياة الاخرى بالشهادة على هذه الامة التي عاش فيها، وبلغ فيها وعانى منها وجاهد من اجل هدايتها.

  وكما ان لكل عصر ولكل فترة من الحياة الدنيا حجةً او اماماً يؤدي دوره التبليغي والولايتي ـ القيادي فيها فان هذا الامام او الحجة سيكمل دوره في مسيرة حياة الامم والحضارات والكيانات في عالم الحشر والحساب الاممي بالشهادة على الامة وتقييمها والتعريف بها وبمواقفها، وبالشهادة على سنة الصراع في عمقها بين الصالحين وبين الظالمين.

الاعلى

 

شهادة امة على امة

  وكما يشير القرآن الكريم الى الشاهد على الامة، وهو الامام او النبي او الرسول، فكذلك يشير الى مستوى اخر من الشهادة، الا وهو شهادة امة على امة اخرى في قوله تعالى {وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} البقرة/143.

  ولما لهذه الشهادة من امتياز واشارة الى مقام يختص عادة بالانبياء، ولما يفترض في الشاهد من حضور ومعرفة ودقة وامانة وصدق، فقد اختص الله بها الامة الخاتمة التي تحمل الرسالة الخاتمة والدين الكامل، والتي حباها الله النعمة التامة.

  فجعل الله امة الاسلام الكامل الامة الشاهدة التي تشهد على الناس المعاصرين لها الى يوم القيامة، باعتبارها الامة الخاتمة الكاملة،وهي بذلك تؤدي دور الانبياء في الامم السابقة، لالتزامها ومعاناتها وجهادها في حمل الرسالة.

  لكن امة الاسلام مع موقعها المتميز في الشهادة على الناس والعالم المعاصر لها، تبقى بحاجة الى شهيد عليها، وعلى مدى التزامها او تقصيرها، وعلى مسيرتها وتكاملها، وذلك الشهيد عليها هو النبي الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.

  وقبل ان نفرغ من بحث الشهيد الشاهد لابد من الاشارة الى دور الشهيد واهمية هذا الدور في الحياة الآخرة، والى الحكمة الالهية التي اقتضت ان يكون هناك حساب اممي لكل امة، وان يكون هناك شاهد على كل امة، وكتاب تحاسب الامة بموجبه، وهذا البحث والتساؤل يقودنا الى تساؤل حول وجود عقاب جماعي او عذاب عام لكل امة يشمل كل افرادها المقصرين وغيرهم، كما هو الحال في الدنيا عندما يشملها قانون الاجل والاستبدال، او ان حشر الامم وحسابهم عملية استعراض، ونوع من تقسيم للمسيرة البشرية عبر العصور المختلفة كما هو الحال في استعراض الفرق الرياضية قبل اجراء المسابقات الفردية او الجماعية، وذلك من اجل اعطاء صورة عامة عن المشاركين بالمسابقات وانواعهم والوانهم، فكذلك الحال في الاستعراض الاخروي في الحشر، فهي عملية شكلية تقريباً وليست حقيقية.

  او ان عملية الحشر والحساب الاممي، ووجود الشاهد والكتاب عملية حقيقية في الميزان الالهي، وهي جزء مهم في مسيرة التكامل البشرية، كما هو الحال في بعث الانبياء، فبعث الشهداء مكمل لبعث الانبياء، وبعث الانبياء مقدمة لنزع الشهداء، وهي تنطلق من حكمة عامة واحدة والتي منها اكمال الحجة.

  فبعث الانبياء حجة من الله على البشرية ونزع الشهداء اكمال للحجة على البشرية، واختيار الرسول والشاهد من الامة نفسها اتمام للحجة الكاملة البالغة.

  ولعل هذا الحساب الاممي يشفع ويتمم الحساب الفردي حيث يكون الفرد من الامة الناجية والصادقة والشاهدة، اذ يكون حسابه الفردي بالمحصلة وبالمجموع ـ وان كان فيه تقصير ـ يختلف عن الحساب الفردي اذا كان هذا الفرد من الامة الظالمة او المنحرفة او المقصرة، والموضع بحاجة الى مزيد بحث[2].

الاعلى

 

عطاء الامة ونتاجها

  يعطي القرآن الكريم للعمل قيمة خاصة ومتميزة، وللقرآن تصور خاص للعمل والسلوك والاخلاق، اذ يعتبر العمل هو المعبر عن هوية الإنسان وحقيقته، وكاشفاً عن ارادة الإنسان واختياره، خصوصاً وان مضمون كل عمل يكمن في النية {ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون} الاعراف/43.

  كما يشير القرآن الى جانب آخر في اثر العمل ذلك ان العمل هو الذي يصوغ شخصية الإنسان ، وان لكل فعل انعكاساً في النفس، والتي بالمحصلة تتشكل منها شخصية هذا الإنسان وتتبلور بها.

  وحياة الإنسان في الآخرة، من بعثه حتى حسابه وجزائه، كما تشير الآيات والروايات، هي نتاج واثر لعمل الإنسان ، بل انه يجد عمله، بل يجد شخصيته، وبتعبير آخر، يجد نفسه، حيث تتجسد امامه جميع اعماله، ويجدها حاضرة مستنسخة، ومعبرة عن العمل بمضمونه ومحتواه، كما تشير اليه هاتان الآيتان:

 {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} الجاثية / 29.

{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين} الانبياء/47

  هذا كله فيما يتعلق بحياة الفرد، اما ما يتعلق بحياة الامة وعملها ونتاجها، وبتعبير اشمل شخصيتها فيتمثل بمجموع الاحداث والتأثيرات التي مرت عليها وحلت بها، وكذلك بعطائها ومواقفها وتوجهاتها وفعلها عبر الزمن الذي عاشته.

  وفي تقييم الامم ينبغي ان يلاحظ الطرفان، أي ما تملك وما تعطي، وما حصلت وما قدمت، بنظرة شاملة ليمكن فهم الامة ومعرفة قدرها من خلال هذين البعدين، وليس من الصحيح ان نلاحظ ونقّيم العطاء دون الالتفات الى الظروف والعوامل التي مرت بها {تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} البقرة/134.

الاعلى

* * *

  ان لكل امة عطاءها الخاص بها وكسبها، وهو امر يستقل عن عطاء الامم الاخرى، بمعنى ان لكل امة شخصيتها وهويتها المعبرة عنها، وصحيح ان هناك تلاقحاً بين الامم، وان عطاءات الامم متناقلة ومتلاقحة ومترابطة، لكن هذا لا يمنع ان يكون لكل امة وجودها وشخصيتها وكسبها الخاص بها وهويتها المعبرة عن حقيقة شخصيتها، {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} البقرة/134، فلا يمنع التبادل الثقافي والحضاري بين الامم من ان تصوغ كل امة شخصيتها بنفسها حتى لو كانت مستفيدة من غيرها، فهي تصوغ ذلك العطاء وتتمثله بشكل يجعله جزءاً من منظومتها وشخصيتها.

الاعلى

 

الترابط بين عمل الامة وهويتها:

  والقرآن الكريم يشير الى كل امة وعطائها وكسبها واستقلال كل امة بعملها يعبر عن منظومة ترابط بين الامة وبين عملها.

  بل ان هناك حالة شد واعتزاز للامة بعملها وهي حالة طبيعية وسنة تجدها في حياة الفرد، وكذلك نجدها في حياة الامم، اذ هي حالة اعتزاز الامة بعملها وكسبها ونتاجها وادائها، وهو الظاهر من قوله تعالى {افمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} فاطر/ 8 {ثم الى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} الانعام/ 108 .

  وهذا القانون يحكم الفرد والامة في هذه الحياة الدنيا، فتجد الامة نفسها ووجودها من خلال عطائها وعملها، وبذلك تتنافس وتتمايز عن الآخرين فكأنها تسجل خلودها من خلاله، وتجد في عملها افضلية على عمل الآخرين فتعتز به وتواصل سيرها من خلاله.

  * * *

الاعلى

 

 سنة التزيين:

  يبدو ان سنة التزيين لعمل الامة تأتي بعد ان تتبلور الامة وتترابط وتتطور في وجودها ونشاطها فيكون لها عطاء ونجاحات واستمرار في الوجود، فتتراكم عندها الخبرات والتجارب عبر الاحداث، فيبرز للامة منهج مترابط وتصور عن عملها وشخصيتها، وتجد الامة نفسها، وتجد ان ما وصلت اليه من حال وتطور ووجود هو من خلال هذا العمل والمنهج، ولولا هذا المنهج في العمل لما حققت هذه الانجازات ولما وصلت الى هذا المستوى من العطاء، فيغدو هذا المنهج قيمة عليا، ويكتسب نوعاً من التقديس والاحترام، وبالتعبير القرآني {زين له}، وهذه العملية الطبيعية لتكامل وجود الامة وعطائها تنشأ في نفوس جميع ابناء الامة.

  وسنة التزيين مرحلة من المراحل التي تمر بها الامة قبل اجلها ونهايتها.

  ومما يستشف من قوله تعالى {زُين} ان عملية التزيين عملية تجميل ليست نابعة من ذات الشيء وحقيقته، وانما هي عملية خارجية تحاول ان تضع بشكل مقصود عناصر جمال معنوي او مادي للاشياء او الموجودات للاشخاص، او الافعال اوالحالات، فهي عملية غير حقيقية، وهي خارجية وليست ذاتية، ولاتعبر عن درجة من التكامل والتطور الحقيقي.

  فالتزيين في واقع الامر تدليس وخديعة، وتستخدم حين تقف الاطروحة عاجزة عن علاج تطورات الحياة، ولا تقدر ان تحرك الامة ولو خطوة الى الامام، وتنكشف الخديعة والتضليل لتسقط الاطروحة وينهار المثل الاعلى بعد فشل عملية التزيين في تمويه الواقع في نظر الامة.

الاعلى

   

نهاية الامم .. لكل امة اجل

  كل الاشياء محكومة بالزمن، وبمدة تنتهي اليها، فالموجودات والحياة والكون والانسان والمجتمعات محكومة بسنة الموت والنهاية الحتمية والاجل المحدد، كقانون يحكم كل هذه الامور، وهذا ما اكده القرآن.. فهنالك اجل لحركة الكون والحياة، قال تعالى {وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى} فاطر/ 13 وهناك اجل يحكم الانسان ووجوده وحركته، {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلاً واجل مسمى عنده} الانعام/2.

  وكما ان للانسان اجلاً فان للامة اجلاً ايضاً.. {ولكل امة اجل فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} الاعراف/34.

  ان قانون الاجل وسنة الامد المحدود للاشياء عام وشامل لا يتخلف، في الكون وفي الإنسان وفي الامم.

  انها ـ في الكون ـ تمثل نهايته، واجل حركة وجوده، فهو في تبدل وحركة مستمرة، وسوف تنتهي هذه الحركة ويتوقف مظهرها الوجودي والحياتي بوجود وحياة اخرى، وعبر حالة اخرى ومظهر آخر، {يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار}ابراهيم/48.

  وكما تنتهي حركة الكون والحياة فيه لتبتدئ حياة اخرىبنظام آخر، وكما يشهد الكون موتاً وولادات جديدة لاجزائه المكونة له من سقوط نجوم وتوسع في الكون، فكذلك حياة الإنسان الفردية تجري ضمن حركة من مبدأ الى منتهى واجل، مع تغير في وجوده الجسدي وتطور الى ان يبلغ اجله ومنتهاه، مع ولادات جديدة واستمرار لحياة الإنسان العامة حتى تنتهي هذه الحياة الدنيا في وقت انتهاء حركة الكون لتبدأ مسيرة حياة اخرى بنظام ووجود آخر.

 وهذا القانون ـ قانون الحركة والتبدل ـ يسري على الامم، ولا نقصد بالامة هنا مجموعة اشخاص في مكان وزمان واحد، وانما هي وجود اجتماعي مميز له سمته وكيانه الثقافي والاجتماعي المترابط ومثله الاعلى الذي يحكم علاقاته ونمط مسيرته وتطوره.

  فهذا الوجود الاجتماعي للامة له اجل تنتهي اليه لتبدأ مسيرة اخرى لامة اخرى لها وجود اجتماعي آخر،وهكذا تستمر حركة الامم بالموت والولادة، وتمر كل امة بمراحل وجودها وتطورها وتكاملها، وكما يمر الانسان بالطفولة والصبا والمراهقة والرجولة والشيخوخة لينتهي بالموت، فكذلك الامة تبدأ من نقطة وتسير بمظاهر متطورة لوجودها لتنتهي باجلها، ولتبدأ امة اخرى حركتها من مبدأها الى مستقرها ونهايتها، الى ان تنتهي هذه الحياة، لتبدأ حياة اخرى بنظام آخر لهذا الوجود "الامة" حيث البعث والحساب والجزاء، كما اشرنا سابقاً، {وترى كل امة جاثية كل امة تدعى الى كتابها} الجاثية/ 28، {كلما دخلت امة لعنت اختها} الاعراف / 38.

وفي سنة الموت والاجل شرائط وقانون عام يحكم الموت كعملية طبيعية وظاهرة كونية عامة ومخلوق له عناصره وشروطه وظروفه ونظامه الخاص به {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملاً} الملك/ 2.

 وكما هو الحال في عملية الخلق التي تجري وفق قانون عام ومترابط مع ظواهر اخرى ضمن سنن متكاملة تحكم الكون كله ومسيرة الإنسان والامم، فهناك شرائط وظروف واحكام لموت الاجرام السماوية ونهايتها يمكن رصدها ضمن دائرة علم الفلك.

وكذلك هناك شروط وظروف واحكام لموت الإنسان يحكمها علم الفسلجة، وما يرتبط بها من علوم، ونجد الحالة نفسها من شروط وظروف في نهاية الامم وانتهاء فعاليتها، ضمن قوانين وشروط تحددها العلوم الاجتماعية وقوانين حركة المجتمع.

  والظواهر الطبيعية والمادية يمكن رصدها ودراستها ومعرفة قوانينها، لامكان السيطرة عليها ومتابعتها، وليس الحال كذلك في علم الفلك، فانه لا يمكن السيطرة على الاجرام السماوية وحركتها ولكن يمكن متابعتها ورصد مجمل الظروف والشرائط التي تجري فيها الحادثة او الظاهرة.

  اما بخصوص الامة والحياة المعنوية للانسان فان المسألة تختلف كثيراً لصعوبة رصد الظاهرة النفسية والفكرية، ولتشابك هذه الظواهر وتعلقاتها، ولتأثر دراسة هذه الظواهر بعوامل كثيرة، منها العوامل الذاتية للانسان (الحالة النفسية والخلفية الفكرية للباحث) ولكن مما لا شك فيه وجود ظاهرة موت الامم، وان هناك اجلاً محدوداً يحكم كل امة، وهو ما يؤكده القرآن ويكرره، {ولكل امة اجل..} الاعراف /34، {لكل امة اجل} يونس / 49، {ما تسبق من امة اجلها وما يستأخرون} الحجر/5..

  وبعدان يقرر القرآن الكريم حقيقة الموت والاجل للامم، ينتقل الى وقت الاجل وشروطه، حيث يؤكد القرآن ان في وقت الاجل {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} الاعراف/34.

  وهو في موضوع الاجل ووقته يتعرض لامرين، نحتاج بعد تحديدهما، ان نتلمس التصور الذي يمكن ان يعطي تفسيراً جامعاً ومترابطاً بينهما.

 الامر الاول: {ان اجل الله اذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} نوح/4.

الامر الثاني: {ولولا كلمة سبقت من ربك الى اجل مسمى لقضي بينهم} الشورى/ 14، {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى اجل مسمى} ابراهيم / 10، {ويستعجلونك بالعذاب ولولا اجل مسمى لجاءهم العذاب} العنكبوت/53، {فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} الاعراف/34.

  فالامر الاول يشير الى ان هناك اجلاً وتوقيتاً ينسب الى الله، وهذا التوقيت او التحديد اذا تحقق شرطه (اذا جاء) فان النتيجة لا تتخلف ولا تتأخر، فهناك توقيت انتهاء امد الامة وفترة وجودها.

  وهناك احتمالان لهذا التوقيت والاجل:

الاول: تحديد زمني ووقتي بعدد السنين، والقرون، فاذا جاء وقت نهاية الامة بانتهاء سنينها فانه لا يتأخر.

والاحتمال الثاني: تحديد لاوصاف وشروط انتهاء الامد وموت الامة، فاذا تحققت شروط الاجل ونهاية الامة فلا يتخلف الجزاء (الاجل) عن شرطه.

  اما الامر الثاني الذي تشير اليه الآيات المتقدمة بخصوص الاجل فهو امكانية التأخير في الاجل الى [اجل مسمى] {أفي الله شك فاطر السماوات والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى اجل مسمى}ابراهيم/10.

  فكأن هناك امراً يقتضي النهاية، لكن الاستغفار وتعديل الامة لاوضاعها باتجاه صحيح وبخطوات حقيقية نحو الله سوف يؤدي الى تأخير اجلها الىاجل آخر، ولكنه محدد ومسمى ومشخص عنده، فالآية تشير الى امكانية تأخير الاجل بعملية يقوم بها الانسان في حالة الفرد، وبعملية تقوم بها الامة بمجموعها العام في حالة الامة.

  من هذين الامرين نصل الى ان هناك اجلاً حتمياً للامة وللفرد لا يتغير ولا يتبدل، وهو مسمى ومحدد عنده سبحانه في كتاب محفوظ لا يعلمه الا هو او من يطلعه عليه من ملك او نبي، وهذا الاجل المسمى عنده والمحدد لديه لا ينخرم ولا يتأخر ولا يتقدم، وقد تكون مجموعة امور ساهمت في تحديده منها: فعل الإنسان ودعاؤه، وفعل الامة ودورها المستقبلي والفعلي، وهذا الاجل يُحدد في حالة الفرد في ليلة القدر، كما تشير لذلك بعض الروايات.

  وهناك اجل مقضي موقوف على امور كثيرة، منها عدم وجود مانع من مصلحة او ما شابه، فيكون محلاً للبداء والتغيير، فيمكن تقديمه او تأخيره، ومحله في لوح المحو والاثبات، وقد يبدو لبعض الاولياء فيمكن للانسان وللامة ان تساهم في تغيير آجالها الموقوفة على امر ما، والمقضية بأمر يتبدل.

  ان الاجل الذي يقع فعلاً في الفرد او الامة هو اجل مسمى ومحتوم، سواء أكان موقتاً احترازياً على غير المتوقع ام مقضياً بحسب العادة والطبع ام موتاً غير احترازي فوقوعه دليل على كونه اجلاً مسمى لا يتأخر ولا يتبدل.[3]

  وبخصوص الروايات الواردة في الموضوع ـ وان كان صاحب الميزان يلحظ الاجل الفردي ـ فان كثيراً من الآيات التي يوردها تتعرض الى الامة خاصة.

الاعلى

كيف تموت الامة؟

  من المفيد ان نشير في ختام البحث الى ان اجل الفرد واضح ومحدد بالموت الذي هو انتهاء الجسد وانتقال الروح من البدن، ويكون الجسد ملازماً لتوفي الله الانفس.

  اما موت الامم وتحقق اجلها فله صورة تختلف عن صورة الاجل الفردي، ويبدو ان هناك طريقتين عامتين لاجل الامم وانتهائها، وهناك صور متعددة لكل طريق من هذه الطرق، (قد نوفق لبحثها مستقبلاً).

  الطريقة الاولى: الهلاك والابادة الجسدية:

  وهذه الطريقة تشبه الاجل الفردي بهلاك الإنسان ، وهذا الهلاك والابادة لمجموع الامة ولمجتمع معين يكون عادة نادراً في كل عصر، وان كان متعدداً في مجموع العصور التي مرت بها البشرية.

  وهذا الهلاك تتعدد صوره، فتارة يكون بمرض عام شامل، وتارة بزلزال او بعذاب سماوي، فتنتهي الامة وجوداً "مجموع الافراد" فعلاً وعطاءاً وتأثيراً و القرآن الكريم يذكر هذه الصور من الموت عادة بخصوص القرى، ولا يذكرها بحق الامة.

 وسوف نأتي على ذلك في بحث القرى.

  الطريقة الثانية: والتي يمكن ان نسميها بالموت المعنوي للامة، او فقدان قدرتها وارتباطها وتلاشي فعلها وعطائها وانتهائها من ساحة الفعل والحساب بين الامم.

  ولا يتحقق ذلك بانتهاء وجود الافراد ـ كما في الطريقة الاولى ـ وانما هناك صور عدة لتحققه، منها: تبدل المثل الاعلى للامة، وتلاشي الرابطة بين الافراد في الامة، ونشوء كيان جديد على انقاض الكيان السابق، والقرآن يطلق على بعض هذه الصور الاستبدال والتبديل والتغيير.

  فالهلاك في هذه الطريقة ليس للوجود الفيزيولوجي للامة عبر هلاك افرادها، وانما هو هلاك وانتهاء وموت شخصية الامة وانتهاء عطائها وحضارتها مع بقاء الوجود الفيزيولوجي لافرادها، ويتحقق هذا الهلاك بنشوء مظهر آخر لهذه الامة (استبدال) او بانتهاء عنوان هذه الامة وتبدل هويتها وتشتت افرادها.

الاعلى

 

هل هناك ترابط بين اجل الكون واجل الافراد واجل الامم؟

 قد يكون من المفيد ان نمعن النظر في الكشف عن الترابط بين الاجال الثلاثة، اجل الكون واجل الافراد واجل الامم، في مجموع الآيات التي تتحدث عن الخلق والموت والغاية منهما مع ملاحظة الروايات والاحاديث التي تتناول هذا الموضوع.

   فهل هناك علاقة بين تلك الآجال؟ او ان لكلٍ قانون مستقل عن سواه؟ او ان هناك اقتراناً وعلاقة سببية بينها؟

  وبالرجوع الى تلك الآيات والتي منها:

{سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} لقمان/20.

{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملاً} الملك/2

{وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} الذاريات/56.

{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون} الانبياء/10.

  بالرجوع الى تلك الآيات قد نصل الى ان عمر الكون واجله متوقف على تحقيق الهدف من خلقه (والكون كله مسخر لخدمة الانسان) والهدف من خلقه هو قيام الامة العابدة المتكاملة، الامة الناجية على كل الارض، واجل هذه الامة الناجية الامة الواحدة، امة الانبياء، يعني اجل الكون، لانتفاء غاية خلق الكون بانتفاء تلك الامة.

  كما ان حركة الآجال في الافراد، وبالخصوص الافراد الذين يتوقف عليهم قيام هذه الامة والذين هم الانبياء والاولياء الشهود على الامم، خاضعة لهذه الغاية، بل ان حياتهم وآجالهم متوقفة على النظام وحركة الامم وآجالها حتى قيام امة الحق الناجية الواحدة على كل الارض، وهي الامة التي من اجلها خلقت الارض وسخرت.. (راجع حديث الكساء). وهذه الفكرة المطروحة للبحث والتمحيص سوف تعطي تصوراً لحركة التاريخ، وفهماً للمستقبل يجعل الامم والمجتمعات هي محور الدراسة والبحث، وليس الفرد بما هو فرد، ولا الطبيعة، وسوف يكون هدف قيام الامة كأمة بما تمثله من مجوعة افراد ونظام وثقافة هو محور فهم التاريخ والمستقبل، وعلى هذا المحور يمكن ان نحلل ونفهم تقييم مسيرة حركة الشعوب، وليس نظرية الفرد او الآلة، وعلى ضوء هذه الفكرة نفهم قيام دولة المستضعفين وظهور صاحب الامر، متجاوزين الفهم الضيق والتصور الجزئي او في معنى الفساد والصلاح بما يتناسب مع حركة الشعوب والامم والانسانية جمعاء.

الاعلى

 

الترابط والتلاقح بين الامم

  يشير القرآن الكريم في اكثر من موضع الى ان هناك تأثيرات وعلاقات متبادلة في التأثير الثقافي بين الامم المختلفة.

 والغريب ان القرآن يتعرض لهذا الموضوع غالباً باسلوب يشير فيه الى البعد السلبي لهذا التأثير المتبادل، ونموذجه التلاوم الذي يقع بين الامم المعذبة باعمالها في النار، قال تعالى {قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعاً قالت اخراهم لاولاهم ربنا هؤلاء اضلونا فاتهم عذاباً ضعفاً من النار} الاعراف / 38.

  فالقرآن في الوقت الذي يؤكد فيه تعدد الامم، يشير الى سنة التعدد كحقيقة عامة تشمل عالم الحيوان بكل اشكاله وعالم الإنسان {وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم} الانعام/38، وفي هذه الاشارة القرآنية تحتاج الى مزيد من التمعن والفحص، فقد شبه القرآن ما يدب على الارض وما يطير في السماء بالامم البشرية، وظاهر الآية ان الامم البشرية المشار اليها في هذه الآية مساوق للآية {انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل} الحجرات/13، فالاختلاف والتنوع بين الامم البشرية الذي تشير اليه الآية الكريمة هو في التنوع البشري من حيث الخلقة والتكوين والمنطق والامزجة والاختلاف الطبيعي وتعدد اجناس البشر، وبالمثل فهناك تنوع تكويني في الخلقة بين مفردات عالم الحيوان.

  لكن القرآن لا يجعل للجانب التكويني قيمة واعتباراً وامتيازاً، حيث تشير الآية بـ {ان اكرمكم عند الله اتقاكم} الحجرات/13 الى ان التسابق في التقوى وعمل الخير هو غاية لتعدد واختلاف امزجة الشعوب واجناسها.

  والآية الاخرى التي تؤكد التشابه بين الامم في عالم الحيوان و الإنسان بعد اقرارها هذه الحقيقةتختم بـ {ما فرطنا في الكتاب من شيئ ثم الى ربهم يحشرون} الانعام/ 38.

  وكأن الآيتين تريدان ان تقولا ان حال الاختلاف بين الحيوانات كمجموعات مترابطة هو كحال الاختلاف بين المجموعات البشرية، لكن هذه الاختلافات التكوينية والحياتية والمنهجية في المقصد والعمل كلها مسجلة ومراقبة ومحاسب عليها، وسوف يكون الحشر والحساب عليها، فليس المهم الاختلاف التكويني، وانما هو العمل والالتزام والتسابق في العمل الصالح، وسيكون الحساب والحشر على المسؤولية المناطة بكل امة في الخلق سواء اكانت من الحيوان ام من الانسان ام من الجن، كما تقدم سابقاً.[4]

  بعد ان اثبت القرآن الكريم تعدد الامم ومنشأ هذا التعدد وقسم الاختلاف الى اختلاف بين الامم على اساس التكوين والاجناس، وعلى اساس المنهج والعقيدة، وجعله هو الاساس في تقييم الامم والشعوب ، تعرض الى مسألة العلاقة بين هذه الامم وطبيعة هذه العلاقة وآثارها في حياة الامم، سواء في هذه الحياة او في الحياة الاخرى، وفي هذا الصدد يتناول ما يلي:

  التراكم الانحرافي للامم وتأثير الامم المنحرفة في تعميق الانحراف والظلم في العالم،ويظهر الترابط بين خط الانحراف عبر العصور المختلفة مما يجعل هذا التراكم الانحرافي عبر العصور ثقلاً سيئاً في تراث البشرية يبرر به انحراف الامم اللاحقة.

  قوله تعالى {قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعاً قالت اخراهم لاولاهم ربنا هؤلاء اضلونا فاتهم عذاباً ضعفاً من النار} الاعراف / 38.

 وقال {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} الاعراف / 38

ويشير القرآن من جانب اخر الى سنة التكذيب في الامم، ورفضها دعوات الرسل ووقوفهم امام عملية تزكية اوضاعهم باتجاه الخير موقفاً سلبياً، وانسياقهم وراء اوضاعهم السائدة، وعاداتهم واهوائهم، وتمكن كبرائهم وسادتهم من مسك الامور ومواجهة الدعوة الربانية التي تريد ان تزلزل مواقفهم.

  وفي تكرار ذكر هذه الحالة عند الامم والاقوام تسلية للدعاة والمبلغين، وتهوين لموقف المخالفين، {وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين} العنكبوت/18.

  فالآية تشير الى ما ذكرناه سابقاً من ان هنالك حشراً وحساباً وجزاءاً للامم بما هي امم، وفيها تأكيد لهذا الموضوع في دخول الكافرين والظالمين النار، فدخولهم يكون على شكل مجموعات، والجامع بينها هو هدفها وتوجهها وكونها في عصر وزمان مشترك، وهذا التعاقب والتسلسل في الدخول بما تشير اليه الآية الكريمة {اخراهم لاوليهم} وهو بحسب السياق تسلسل وتعاقب زمني، وليس بالرتبة والمقام ـ كالرؤساء والزعماء والتابعين ـكما احتمل ذلك صاحب الميزان، بدليل {من قبلكم} في بداية الآية التي تخاطب المشركين من اهل مكة.

  والذي يهمنا في الآية بخصوص موضوع التواصل بين الامم هو ان هذا اللعن بين الامم يكشف حقائق الامور في الآخرة، فهو يعكس العلاقة والترابط بين الامم في الدنيا، والتي كان اساسها وحدة التوجه والهدف والتواصل بين الابناء والآباء وبين اللاحقين والسابقين، وهذا اللعن من اللاحقين للسابقين في يوم الحساب يكشف عن التأثير والهيمنة والشعور بالتبعية والانتساب الذي كان سائداً بين اللاحقين والآخرين تجاه السابقين والاولين، وكأن كشف هذه الحقيقة سترفع عن اللاحقين تبعات اعمالهم وتخفف من سيئات ما كسبوا، وان كون الاولين بما هم اصحاب المبادرة السيئة والجرأة على الحق سيجعل عذابهم اشد واكبر من عذاب الامة اللاحقة، فتدعو الامة اللاحقة على الامة الاولى بـ {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} الاحزاب / 68 ليتضح بذلك عمق الاسف والمرارة والحسرة واللوم الذي يعم اللاحقين ازاء عظمائهم واجدادهم {ولات حين مناص} ص/3.

  و يشار الى هذه الحالة من الخصومة بين الذين اتبعوا والذين اتبعوا في موضع آخر من القرآن، ويعلق على ذلك بقوله {ان ذلك لحق تخاصم اهل النار} ص/64.

  وحول قضية أي من الفريقين اشد اجراماً وبالتالي تكون اشد عذاباً؟ اهم مؤسسو المبادئ والافكار المنحرفة من الكبراء والامراء ورؤساء الانحراف؟ او هم التابعون والمناصرون لهم؟

  فقد يرى البعض ان من اسس الظلم والانحراف اشد عذاباً لانه يتحمل اثار هذا العمل عبر السنين، ولانه السبب في الظلم والضلالة، ولكونه المبادر والمتجرئ اول مرة.

  وقد يرى اخرون ان استجابة الناس وانجرافهم مع الطاغي والعالم المنحرف واصحاب المبادئ الضالة هو الذي يعزز الانحراف والظلم عند الكبراء والسادة الاولين.

  وكأن القابلية للاعراض وللظروف المساعدة المهيئة لبلورتها هي الاساس في عملية الانحراف وتحمل تبعاته واثاره .

  لكن القرآن الكريم يرفض الرأيين جميعاً ويرى ان كلا الفريقين في مستوى واحد من المسؤولية والاختيار لعملهم، بغض النظر عن الظروف الخارجية والاجواء المحيطة بالعمل.

  ولما كان كلاهما خارجاً عن امتثال الامر الالهي، فالمسؤولية تكون واحدة، والجزاء تبعاً لذلك يكون واحداً ايضاً، اذ ان الامانة المعروضة على الإنسان واحدة بغض النظر عن الزمان والمكان والرتبة الاجتماعية، {قال لكل ضعف} الاعراف/38.

  والاشارة الاخرى التي تستفاد من الآية المذكورة هي ان حضارة الطغيان والانحراف او الامة الطالحة وان كانت متعددة ومتنوعة لكن هناك ترابطاً وتشابكاً وانتساباً فيما بينها {كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعاً قالت اخراهم لاوليهم...} وكأنها سلسلة واحدة وقافلة واحدة مترابطة او بتعبير آخر، كأن الانحراف مقالة واحدة لكاتب واحد هو الشيطان بكلمات متعددة ومتنوعة ومختلفة لكنها بمجموعها تشكل مقالة واحدة للانحراف وللضلال، وهذا التمايز والتباعد الحضاري والاممي الذي قد يبدو في العالم، لا يشكل حالة حقيقية واقعية، وانما هو متقارب وموضع تأثير وتاثر بالامم والحضارات والافكار المطروحة فيما بين اهل كل عصر ، وكذلك بين كل عصر وببن الذي يليه من العصور.

الاعلى

 

ظاهرة التكذيب

  {وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين} العنكبوت/18، {اولئك الذين حق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين} الاحقاف/18، {كذلك ارسلناك في امة قد خلت من قبلها امم لتتلو عليهم الذي اوحينا اليك} الرعد/30.

  من مجموع هذه الآيات نجد ان هناك تأكيداً على ظاهرة الترابط والتشابه بين الامم، وان اية امة ليست معزولة او في منأى عن الامم الاخرى، ولذا نجد القرآن يشير الى ذلك في اكثر من موضع.

  وهذه الاشارة الى التواصل التاريخي { كذلك ارسلناك في امة قد خلت من قبلها امم.. } قد يستفاد منها في سنة ارسال المبلغين الى الامم من جهة، وهي من سياق {ما كنت بدعاً من الرسل}الاحقاف/9.

  وقد يستفاد منها في شيوع ظاهرة التكذيب للرسل عند الامم السابقة واللاحقة،وفي ذلك شد لعزيمة الانبياء وتخفيف من قيمة تكذيب الامم، لانه يعبر عن عادة التقليد وحالة التبعية التي سوف تنتهي قطعاً بانتصار الانبياء وشيوع نورهم وهداهم، {انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مهتدون} الزخرف/22، {... وإنا على آثارهم مقتدون} الزخرف/23.

  وقد يستفاد من هذه الآيات وتأكيداتها ان مسيرة البشرية واحدة، وان تنوعت الامم واختلفت اشكالها وتعددت مناهجها، كما تؤكد ان سلسلة الانبياء واحدة مترابطة يكمل بعضها بعضاً وانها من منبع واحد وتدعو الى مصدر واحد.

الاعلى

 

حركة الامة

التحول والتبدل في مسيرة الامة

 

  يتعرض القرآن الكريم الى موضوع مهم ومعقد يرتبط بالتغيير والتبدل في مسيرة الامة، وفي سيرها نحو الحق وتكاملها في كنفه وبتعبير آخر موضوع حركة الامة وموقفها من المثل الاعلى.

  ويذكر القرآن الكريم بتفصيل، المراحل والحالات التي تمر بها الامة الظالمة والمنحرفة، منذ بداية اعراضها حتى هلاكها، بسبب بعدها وجحودها وانحرافها، ويمكن استشفاف ذلك من الآيات المباركات:

{ولقد ارسلنا الى امم من قبلك ..} السنة العامة في بعث الانبياء.

{فأخذناهم بالبأساء والضراء} / وهذه مرحلة الشد والتحريك بالبلاء.

{لعلهم يتضرعون} / التوجه الى الله لازالة البلاء.

{فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} / نزول البأس وغايته التضرع .

{ولكن قست قلوبهم} / القسوة والموقف الجاحد.

{وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} / التزيين لمواقف الامة الخاطئة .

{فلما نسوا ما ذكروا به} / النسيان.

{فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى اذا فرحوا بما اوتوا} / الاملاء والطغيان بالنعم.

{اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون} / الاستبدال والهلاك والعذاب.

{فقُطع دابر الذين ظلموا} / نهاية الظلم والامة الظالمة.

{والحمد لله رب العالمين} / امر محكم وحكيم وجميل يستحق الثناء والحمد لله .

الانعام / 42 ـ45.

  يؤكد القرآن في هذه الآيات ان هناك تكراراً في ظاهرة معينة وتلازماً وتدرجاً وتحولاً في الامة.

  وهذا التكرار يرتفع الى درجة الظاهرة باعتبار ان فيه ارتباطاً بين اساب ومسببات، يمكن تسميتها قانوناً اجتماعياً او سنة ـ وهو ما يمكن فهمه من قوله {ولقد ارسلنا الى امم من قبلك}، كما ان صيغة الجمع وصيغة الماضي تشير الى استمرار الحالة ودوامها.

الاعلى

 

الشعور بالحاجة للرسالة والمنقذ

  في الظرف الاجتماعي الذي تعيشه الامة قبل نزول الرسالة ووجود المرسل واثناء ذلك تظهر حالة الشعور بالحاجة الى منقذ يعالج ما تعانيه الامة من آلام ومشاكل وضياع {اخذناهم بالبأساء والضراء} وكل ذلك لكي يكون الاتجاه النفسي في الامة هو طلب النجاة والشعور بالحاجة الى معين، والتوجه الى جهة ينتظر منها الحل، ونكون اهلاً للانقاذ.

{لعلهم يتضرعون}

  لعل السبب في عدم نزول القرآن وبعث الرسول "ص" في الحضارتين الفارسية والروسية، وكذلك لعل السبب في عدم نجاح الدعوات في بعض المجتمعات، هو عدم وجود حالة التضرع و الشعور بالحاجة الى منقذ في مناطق معينة وفي ظرف معين، حيث لا يوجد شعور بالحاجة الى بديل ومنقذ ما دام الدين السائد او الاطروحة الحاكمة، او المثل الاعلى ـ على حد قول السيد الشهيد الصدر ـ الذي تتجمع حوله الامة ما زال يمتلك الفاعلية بحيث يحرك الامة ويجمعها، فالى ان يفقد المثل الاعلى مفعوله ، وتستنفذ الاطروحة غرضها، وينفد الدين قدرته على حل المشاكل الجديدة التي ينتج بعضها من محدودية المثل الاعلى او الدين والاطروحة السياسية وتطبيقاتها {فاخذناهم بالبأساء والضراء} فتشتت الامة بالضياع لفقدان المثل قدسيته وتوهجه في نفوس الناس، فتكون الامة حينذاك بين ان تذوب في دين ومثل اعلى لامة اقوى ـ كالهندوسية والبوذية والماركسية امام الحضارة الغربية ـ ، او ان ينبعث مثل اعلى واطروحة جديدة من داخل الامة وطروحاتها وتاريخها وثقافتها.

  فلابد من رحلة البأساء والضراء والشعور بالتضرع والتوجه الى منقذ، تسبق كل ولادة جديدة لقيام مذهب جديد آخر او اطروحة بديلة.

الاعلى

  القوة والتزيين:

  عندما تعيش الامة حالة البأساء والضراء يفترض فيها ان تتوجه الى حل ومنقذ من غير الذي في يدها من حلول وتجارب، بل الى خارج نطاق الإنسان لفشله في حلها، فتتجه الى المثل الاعلى المطلق، الى الله، او الى مثل آخر اعلى مما تعيشه الامة من مثل، ليحركها ويأخذ بيدها نحو التقدم والتطور والخلاص ولو لأمد.

  غير ان الامة في احيان، قد لا تتضرع، بل على العكس من ذلك تتحجر على ما عندها، وتدعي ان الحل فيما ورثته من الآباء وتعلمته منهم، وان ما وصلت اليه الامة من تطور في هذه الاطروحة يمثل اقصى ما تبغيه وافضل ما تطلبه {زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون}.

 

الاعلى

  مرحلة الاملاء/ الصحوة قبل الموت

  هذه الحالة النفسية والاجتماعية من التحجر على موقف خاطئ والتزيين الكاذب والخداع باثارة الضجيج حول المنقذ والبديل الجديد، وبالسعي الى تضليل وتزييف الشعور بالتضرع، ووصفه بانه انحراف وهزيمة، كل تلك المجهودات الباطلة قد تنجح في مسعاها {فلما نسوا ما ذكروا به} فتندفع الامة مرة اخرى نحو مثلها الاعلى واطروحتها المهزومة، وتحاول اعادة النشاط في شعاراتها البالية .

  وقد يحصل من ذلك بعض النجاح لحالة الترميم واعادة البناء وثورات التصحيح وما شابه ذلك من مقولات، فتسير الامة فرحة مستبشرة يحدوها الامل بعودة حياتها من جديد كما كانت ايام كان مثلها الاعلى واطروحتها تملك الشارع وقلوب الناس، وخيل لهم ان الحياة عادت اليهم.

{فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى اذا فرحوا بما اوتوا...}

  فينطلقون فرحين بما عندهم من مثل، وتقر اعينهم بما لديهم من توجه، وتمكن لهم الامور بعد هذه الصدمة والتذكر {البأساء والضراء والتضرع}.

   لكنه تمكن المحتضر، والداء الذي لا تنفع معه المسكنات والشعارات السابقة، والمريض المعتمد على المنشطات، ليسقط بعدها تماماً حائراً ميتاً اجوف {اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون} فيغتدون دون حل ودون مثل وبدون اطروحة لحياتهم، فتموت الامة تماماً وينتهي عطاؤها ونماؤها وتواصلها.

  وتضمحل وتندحر ويخبو اشعاعها، وحينئذٍ لا تموت فحسب، بل تلغى ويقطع دابرها {فقطع دابر الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين}.

 

الاعلى

الخاتمة

  تردّدتْ آراء العلماء حول الامة بين وجودها الحقيقي وبين وجودها الاعتباري ، ولكلٍ مداركه ومستنداته.

  ومن خلال هذا البحث يظهر الرأي الاول ويترجح.

فللامة وجود حقيقي، وبالتالي فهو محكوم بالحركة الجوهرية من النمو والتكامل، ولهذا اصبحت موضوع العناية الالهية ببعث الانبياء للامم، وتوجه الخطاب اليها، وهذه الحركة والنمو للامة محكومة ايضاً بالموت والاجل ومحكومة ايضاً بالبعث والحساب والحشر الاممي.

  وفيما بين ولادة الامم وتكليفها بالرسالة الى موتها وبعثها يحكمها عدة قوانين منها قانون الاختلاف والتعدد والوحدة، والتدافع، وقانون الحركة والتبدل والاستبدال وقانون التزيين.

  وهناك اشارات قرآنية للترابط بين نهاية الافراد وبين نهاية الامم ـ ومحصلة حركة الامة بقيام الامة الصالحة وسيادتها.

 والموضوع المهم الآخر هو العلاقة بين القرية وبين الامة. والقوانين المشتركة بينهما، والقوانين الخاصة بكل منهما، وهو ما اكتفينا باشارات وتنبيهات الية مختصرة.

  والموضوع بحاجة الى مزيد من التفصيل والبحث، نأمل استكماله بتوفيق الله سبحانه.

 

الاعلى


 

[1]  راجع تفسير الميزان ج6 في بحث الفرق بين الشريعة والملة والدين، اذ يشير الى الدين الواحد وهو المفهوم الاعم من تعدد الشرائع التي تؤدي الى الدين الواحد وهو الاسلام.

[2]  قد يكون هذا الحشر الاممي والحساب والبعث والكتاب والشهادة على الامم اشارة الى ان الامم وجودات حقيقية، ولابد لكل وجود حقيقي ان يكون له حشر وحساب وجزاء.

[3]   راجع تفسير الميزان 7/9

[4] وقد يستشف من هذه الآية والآيات الاخر ان هناك مسؤولية وحساباً وحشراً في عالم الحيوان، وان هذا الحشر يكشف عن المسؤولية ..والمسؤولية علامة ومؤشر على الارادة والشعور في عالم الحيوان، {للمزيد راجع الميزان ج/7 بحث عالم الحيوان في تفسير الآية} واذا اخذنا بهذا الرأي فان الآية  تتحدث عن الامم في عالم الحيوان والانسان وما ستلاقيه من حساب على اعمالها ومواقفها، ومنه تصل الى ان هناك تقسيماً رئيساً للامم يقسمها على قسمين هما: الامة الصالحة، والامة الظالمة. وتندرج تحت هذين القسمين مختلف الامم بموجب درجة صلاحها وظلمها، من خلال عملها وعطائها وموقفها. وعلى ذلك فيمكن ان يشمل هذا التقسيم عالم الحيوان.

 

الاعلى