|
المقدمة: تتكرر في القران الكريم حروف وكلمات وتراكيب وآيات، في مواضع متعددة منه، ومرات التكرارات هذه قد تكون قليلة في بعض الحالات، لكنها في حالات أخرى تكثر بشكل لافت للانتباه وحافز للتفكير. والإيمان بان القران الكريم هو كلام الله سبحانه، "{ نزل به الروح الأمين }" الشعراء/193، وبان كلماته سبحانه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يتطرق إليها الفطور والوهن، فهي تصور الحقيقة كل الحقيقة، لصدورها عن المنشئ العليم اللطيف الخبير، والإيمان كذلك بان كل كلمة فيه ذات دلالة خاصة بها ضمن سياقها على الرغم من تكرارها، وبان الدلالة العامة للسياق تتكون من مجموع دلالات كلماته المتآزرة فيما بينها وصولاً إلى كشف حقيقة من حقائق لتكزين أو التشريع هدى للناس وإرشادا، الإيمان بكل ذلك، لابد أن يستوقف النظر والفكر عند كل كلمة وردت فيه، وعند كل طرح من أطروحاته الشريفة . أما إذا تكررت تلك الكلمة مرات كثيرة، فان الشأن سيكون أهم واخطر، ودواعي الالتفات إليه ستكون اشد إلحاحا، فالإلحاح في التكرار له خبئ يدل على اهتمام اللطيف الخبير بتلك الكلمة لأهميتها في حياة الإنسان . وقد سبق للنحاة واللغويين وأهل البيان والمفسرين قديماً أن التفتوا إلى ظاهرة التكرار هذه في القران الكريم، ونظروا في ذلك نظراً خاصاً بهم من حيث النحو واللغة والبيان، وخرجوا بنتائج تنطوي في عمومها على فوائد بيانية للتكرار، تغني السياق، وتحفز المخاطبين نحو التفكير في هذا البيان المعجز . ولم تتجاوز نظراتهم تلك دائرة البيان واللغة وسبك الألفاظ، على الرغم من أهمية ذلك، إلى دوائر أخرى ذات أهمية بالغة في الحياة الاجتماعية، إلا في القليل النادر . ومن تلك الكلمات التي تكررت في القران الكريم كلمة ( القرية )، فقد بلغت تكراراتها فيه ستة وخمسين1 مرة، بصيغها المختلفة، كما سبق أن تكررت كلمة ( الأمة ) فيه مرات عديدة بلغت خمسة وستين مرة بصيغ: ( امة، أمتكم، أمما ) وهو الموضوع الذي جرى بحثه سابقاً2. وبين مصطلح القرية ومصطلح الأمة يتناول القران الكريم موضوعات مشتركة بينهما، مثل: بعث الرسل والأنبياء، وشمولية الرحمة الإلهية يبعث الأنبياء والرسل إلى الأمم والقرى والى أم القرى، { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً } " القصص/59 "، { ولقد بعثنا في كل امة رسولا } " النحل/36 " بينما نجد من جانب أخر أن هناك تبايناً في طريقة تناول القران الكريم لموضوع القرية عن طريقة تناوله موضوع الأمة، وتبدو هذه الفوارق واضحة في مورد بحث نهاية الأمم والقرى، وفي بحث موضوع الهلاك الخاص بالقرية. ويمكن من خلال تجميع هذه الملاحظات ومقارنتها وتحديد مواضع الاشتراك أو الاختلاف بينهما وفي أسلوب معالجة القران الكريم، لذلك يمكن لنا من خلال ذلك الوصول إلى صوغ مفهومين محددين ورئيسيين في منظومة المفاهيم الاجتماعية التي تناولها القران الكريم، أي مفهومي الأمة والقرية . وسوف نتطرق إلى المصطلحات الأخرى المرادفة لمصطلح القرية التي استخدمها القران الكريم، كمصطلح ( البلد، المدينة )، ونحاول تحديد معانيها التي نوه بها القران الكريم، وتحديد الفروق في طريقة الاستعمال ألقراني، لنصل إلى تصور أكثر دقة وتحديداً. ولعل من المفيد أن نقارن بين المتداول اليوم من المصطلحات السياسية المرادفة لموضوع بحثنا والاقتراب لمعنا القرية ولمصطلح الدولة وتطوره من مصطلح الحضارة اليونانية إلى شكل الدولة ذات السلطات المتعددة. __________________ 1 محمود فؤاد عبد الباقي/ المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم . 2 مجلة حوار الفكر/ العدد بسم الله / أيار 2005م، ربيع الثاني 1426هـ، مركز العراق للدراسات والبحوث المستقبلية.
سوف نستعرض بشكل مجمل طريقة تناول القران الكريم لموضوع القرية، وللقضايا التي تناولها ضمن هذا المبحث من اجل تشكيل نظرة كلية وأولية نحاول من خلالها إن نرسم تصوراً قرآنيا عاما لهذا المصطلح قبل تناوله لغة واصطلاحاً. يمكن القول إن القران الكريم تناول موضوع القرية بشكل شامل ومفصل ومتنوع، فقد وردت بصيغ ( القرية، قريتك، قريتكم، قريتنا، القريتين، القرى )3، وتراوحت في ورودها بين المواقع الإعرابية المختلفة. كما وردت في القران الكريم متبوعة في أحيان كثيرة بتوصيفات ونعوت، يمكن من خلالها إن نصنف القرى، وان نستهدي بذلك للوصول إلى رسم منظور قراني متكامل لها . فقد تناول التنزيل العزيز : 1- قرى ظاهرة: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير }"سبا/18"، هنا يشير القران الكريم إلى مستوى العمران ودرجة البناء والنمو، والمدينة التي تعيشها هذه القرى، وإمكاناتها، فهي تختلف عن غيرها بقدراتها العمرانية والاقتصادية مما يجعلها موضع بروز واهتمام، وتمتاز على غيرها بما لها من إمكانيات، وقد تحتفظ بهذا البروز والامتياز لزمن طويل، فهي قرى ظاهرة ومشخصة تجذب الانتباه . 2- قرى محصنة: { لا يقاتلوكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار }"الحشر/14"، تظهر في هذا المصطلح الإشارة بوضوح إلى طبيعة الحماية الأمنية لتلك القرى، وذلك من خلال طريقة البناء وتخطيط العمارة فيها بما يحقق حماية عسكرية في مواجهة الأعداء . 3- قرية خاوية: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها }"البقرة/259"، بمعنى قرية مدمرة قد أهلكتها الحوادث المختلفة التي مرة عليها، مما اثر على وجودها وعمراتها ومبانيها، وذلك إما بسبب استغراقها مدتها، أو بان السنن الإلهية جرت بتدميرها، وقضت في إهلاكها بالبأساء والضراء وما شابه . 4- القرية الراغدة: { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم }"الأعراف/161"، { وضرب الله مثلاً قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون }"النحل/112" . والآيتان تشيران إلى المستوى الاقتصادي الجيد والنمو وارتفاع مستوى المعيشة والخدمات فيها، والى النظام الاقتصادي العادل أو المتوازن والإمكانات الوفيرة التي تمتلكها . 5- النظام السياسي والاقتصادي للقرية: { ونحيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } " الأنبياء/74" { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون }"النمل/34" ______________________ 3 محمد فؤاد عبد الباقي/ المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم.
والآيتان توصفان الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية والنظام ألقيمي في القرية، وكذلك تشيران إلى طبيعة العلاقات والممارسات وسيادة العادات فيها، مما يسمها بميسم الفساد والفحشاء. 6- التجربة التاريخية الخاصة للقرية: { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد } "هود/100" تشير الآية الكريمة إلى تاريخ القرية الخاص بها، والى الأحداث التي مرت بها، ومواقفها ازاء القضايا المهمة، وما عاشته من صراع وعذاب والام بسبب مواقفها من الرسل ونتائج هذه المواقف عليها، وتحولها إلى عبرة وذكرى في سجل التاريخ . 7- الوضع السكاني وطريقة المعيشة: { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } "يوسف/100" والآية هنا تشير إلى مستوى الحياة المعيشة وأشكالها وأساليبها، ومن قوله تعالى { وقد أحسن بي } نلمح التوجه القرآني لإعطاء أعلى ودرجة تفاضلية اكبر لحياة المدينة على حياة البداوة والبساطة التي كان يعيشها يوسف وإخوته من قبل. 8- أوضاع الجماعات الفكرية والسياسية ومواقفها في القرية { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها }"الانعام/123" ، { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها أنا بما أرسلتم به كافرون } "سبا/34" والإشارة هنا إلى الحالة السياسية العامة والى الأبعاد الفكرية ومواقف الفئات المختلفة من عملية الإصلاح والهداية، كما يشير القران الكريم مفصلاً إلى هذه الجماعات، وخلفيلتها العقائدية ومواقعها الاجتماعية ومستوياتها الاقتصادية وقيمها الخلقية وطبيعة مماريتها وسلوكها . ويمكن تشخيص كل ذلك واكتشافه من خلال الإشارات القرآنية التي تناولت: الملا، والمترفين، والأكابر، والمستضعفين، والتبع، والمصلحين، والمنذرين، وما شابه. 9- المواطنة: { وكأين من قرية هي اشد من قريتك التي اخرجتك }"محمد/13" ،{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى }"يوسف/109" ، { ويا قوم ما لي ادعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار }"غافر41"، في هذه الآيات المباركات يشير القران الكريم نوع رابطة وشكل من العلاقة ومستوى من الانشداد بين الانسان ومكان ولادته واستقراره ومعيشته وتطور حياته معتبراً ذلك نوعا من الانتماء أو الهوية أو الخصوصية التي يعرف بها وينتسب إليها، حيث يغدو هذا الانتساب جزءاً من مشاعر الإنسان وهويته وشخصيته ووجوده الاجتماعي، وكل ذلك تناوله القران الكريم بإشارات يمكن استخلاصها من خلال دعوة الأنبياء وانتسابهم لهذه القرية أو تلك، ومن خلال تأكيد القران الكريم على أن الأنبياء من أهل القرى . 10- القرية المركزية أو مركزية القرية: { وما كان ربك مهلك القرى حتى ببعث في امها رسولاً }"القصص/59" { وكاين من قرية هي اشد من قريتك التي أخرجتك }"محمد/13" . وإشارة القران الكريم بهذا الصدد واضحة إلى اختلاف أقدار القرى من حيث موقعيتها وأهميتها ومكانتها بالإضافة إلى بعضها الأخر، فهنالك قرى رئيسية ومهمة تعد عاصمة فكرية وإدارية وتسمى ( ام القرى )، كما أن هناك قرى تابعة لها وخاضعة لام القرى فكرياً واقتصادياً أو عقائدياً أو ادارياً، { وكذلك أوحينا اليك قرانا عربياً لتنذر ام القرى ومن حولها } "الشورى/7" 11- قوانين التنمية وقوانين الخراب: { ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليكم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} "الأعراف/96" ، { وضرب الله مثلاً قرية كانت امنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون }"النحل/112" فالآية الكريمة الأولى صريحة في النص على خراب وأخذها انما يكون بسبب جحودها وعدم إيمانها، إما الآية الكريمة الثانية فتناولت بالذكر القرية التي كانت تعيش مستوى طيباً من الأمان والاطمئنان والاستقرار، وتأثير ذلك في نمو الوضع الاقتصادي فيها، ثم تناولت أسباب نهاية القرى وهلاكها .
بعد هذا الاستعراض العام لتناول القران الكريم موضوع القرية وأشكالها وأنواعها من زوايا ولحظات مختلفة، اقتصادية، وعمرانية وسكانية وسياسية واجتماعية، ننتقل إلى المعنى اللغوي لهذا المصطلح. فالقرية لغة تعني الضيعةـ وهي مكان يتجمع فيه الناس، واصلها من القرء أي جمع الماء في الحوض، الذي يستدعي تجمع الناس حوله واستقرارهم، قال في لسان العرب: ((... قراه يقرؤه .. قرءاً وقراءة وقراناً .. فهو مقروء .. ومعنى القران معنى الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته .. وان قولهم قريت الماء في الحوض.. فهو جمعت، وقرات القران: لفظت به مجموعاً … ))4 . وقال ايضاً تحت جذر (قرا): (( … ابن سيدة: القرية والقرية لغتان المصر الجامع، التهذيب: المكسور يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القرى فحملوها على لغة من يقول كسوة وكسا، وقيل: هي القرية بفتح القاف لا غير قال: وكسر القاف خطا وجمعها قرى، جاءت نادرة .. الجوهري: القرية معروفة والجمع القرى على غير قياس، وفي الحديث: أن نبياً من الأنبياء امر بقرية النمل فاحرقت، هي مسكنها وبيتها، والجمع القرى، والقرية من المساكن والأبنية والضياع وقد تطلق على المدن، وفي الحديث: أمرت بقرية تأكل القرى، هي مدينة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ( كذا)، ومعنى أكلها القرى ما يُفتح على أيدي أهلها من المدن ويصيبون من غنائمها، وقوله تعالى: { واسأل القرية التي كنا فيها }، قال سيبويه: إنما جاء على اتساع الكلام والاختصار، وإنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل في القرية كما كان ________________________ 4 ابن منظور/ لسان العرب مج 4 .
عاملا قي الأهل لو كان هنا، .. وقوله تعالى { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركن فيها قرى ظاهرة }، قال الزجاج: القرى البارك فيها بيت المقدس، وقيل: الشام، وكان بين سبأ والشام قرى متصلة فكانوا لا يحتاجون من وادي سبأ إلى الشام زاد، وهذا عطف على قوله تعالى: لقد كان لسبأ في مسكنهم أية جنتان، وجعلن بينهم .. وام القرى: مكة، شرفها الله تعالى: لان أهل القرى يؤمونها أي يقصدونها، وفي حديث علي كرم الله وجهه: انه أتى بضب فلم يأكله وقال انه قروي أي من أهل القرى، يعني انما ياكله اهل القرى، والبوادي والضياع دون اهل المدن .. والقريتين في قوله تعالى: { رجل من القريتين عظيم }، مكة والطائف، وقرية النمل: ما تجمعه من التراب والجمع قرى... والقارية والقارة: الحضاالجامعة.ة .. والبعير يقري العلف في شدقه أي يجمعه، والقرْيُ: جَبْيُ الماء في الحوض، وقريت الماء في الحوض قرياً وقِرىً جمعته.. والمِقراة: الحوض العظيم يجتمع فيه الماء .. ))5 . وواضح من خلال هذا النص المسهب إن اشتقاقات الجذر اللغوي ( قرا ) كافة قد لوحظ فيها معنى الجمع والتجميع والضم وما شابه . على ان المدن الاولى نشأت على الأنهار، كما هو الحال في الصين وبلاد وادي الرافدين ومصر.
من الكلمات المرادفة لمعنى القرية، التي وردت في القران الكريم كلمتان: البلد، والمدينة. فاما البلد فقد ورد معرفاً في مواضع منه مقصوداً مكة المكرمة، قال تعالى: { لا اقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد } "البلد/1-2"، وقال: { واذا إبراهيم رب اجعل ها البلد امنا } "إبراهيم/35"، قال في مختار الصحاح: ( البلد والبلدة بمعنىً والجمع بلاد وبلدين ..)6 .وفي المنجد ( بلد .. بالمكان أقام فيه واتخذه بلداً ..)7 . وأطلق القران الكريم على مكة المكرمة لفظة القرية ايضاً: { وكأين من قرية هي اشد قوة من قريتك التي أخرجتك } "محمد/13" كما أطلق لفظة البلاد في موضع منه مراداً منها معنى القرية أو البلد: { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد} "الفجر/9-12" . اما المدينة فيستخدمها القران الكريم تارة للاشارة الى يثرب: { ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب ان يختلفوا عن رسول الله } "التوبة/120" { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم } " الأحزاب/60" . ___________________ 5 ابن منظور /لسان العرب مج4 6 محمد بن أبي بكر الرازي /مختار الصحاح . 7 فؤاد افرام البستاني /منجد الطلاب
ويستخدمها تارة أخرى للإشارة من خلالها إلى أوضاع القرية الداخلية وتفاصيل أوضاعها الاجتماعية: { فأصبح في المدينة خائفاً يرتقب } "القصص/18"، { وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى } "يس/20" .
في ضوء ما تقدم يمكن القول أن مصطلح القرية يشير إلى معنى الوجود الاجتماعي المنظم ضمن مكان وزمان محددين، على اننا نلحظ لحظات مختلفة في هذا الشان من خلال اضاءات القران الكريم لهذا المصطلح من زواياه المتعددة . فقد ترد القرية ملحوظا فيها عدد افرادها، كما في قرية قوم يونس: { وأرسلناه إلى مائة إلف أو يزيدون } "الصافات/147"، وقد ترد بلحاظ مستوى تنظيمها وإدارتها . التي قد تكون بدائية، أو قد تكون معقدة كما في مصر وبلاد الرافدين. وقد تذكر القرية منظوراً إليها من خلال المستوى الاقتصادي والتطور المدني، كالذي كان في مكة ويثرب وثمود وبابل وسبأ. وقد تذكر باعتبار مشاكلها الاجتماعية ومظاهر تعقيدها، وأنواع الفساد والخراب فيها، الذي قد يظهر بشكل ظاهرة اجتماعية جنسية كما في قوم لوط، أو قد يظهر متجلياً في مشكلة فقدان الأمانة السوقية كما في قوم شعيب أو يتجسد حالات الترف والبطر في المعيشة المفضي إلى خرابها وفسادها اقتصادياً والى غياب استقرارها وفقدان أمنها، والى غيبة العدالة وشيوع الظلم . والقاسم المشترك في كل تلك الادواء واسبابها ، هو الاستعلاء والاستكبار والعتو عن أمر الله تعالى، وعن المثل الأعلى المطلق الحق، وعن رسالته التي تمثل عن الهدى المنقذ مما كسبت أيديهم من فساد وخراب على صراط الهلاك والعذاب . وهذا المفصل من البحث يملي على الباحث ضرورة مراجعة مصطلح الفساد ذكره في القران الكريم، والذي بدوره سوف يسهم في تكامل البحث وبلورة موضوعه وتحديده 8 ، وبذلك نكون قد خطونا ببحثنا الاجتماعي في القران الكريم خطوة أخرى نحو استكمال الأبعاد المختلفة للمصطلح وتحديدها، بعد أن درسنا مصطلحي الأمة والقرية وأحوالهما في القران الكريم . وكيف كان، فالمترشح لدينا بعد التحليل طريقة تناول القران الكريم هذا المصطلح بابعاده التي طرحها، ومن زواياه المنظور اليه منها، يمكن اجماله في ما يأتي: القرية وجود اجتماعي أي كيان أو مؤسسة سكانية يلحظ فيها: 1- عدد السكان: { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } "الصافات/147" 2- مستوى المعيشة والعمران: { وضرب الله مثلاً قرية كانت امنة مطمئنة ..} "النحل/112". _____________________ ( مصطلح الفساد في القران الكريم )
3- النظام الاجتماعي والسياسية: { قالت ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها } "النمل/34" . 4- القيم السائدة: { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } "الانبياء/74". 5- تاريخ الكيان وتجاربه: { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد }"هود100". 6- التنمية والصراع السياسي{ واذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم } "الاعراف/161" . 7- الفئات السياسية والفكرية ودورها: { وكذلك جعلنا في كل القرية اكابر مجرميها ليمكروا فيها } "الانعام/123" 8- الاتجاه العقائدي والسياسي: { وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما أرسلتم به كافرون } "سبأ/34" 9- قوانين النمو والهلاك: { ولو ان اخل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون } "الاعراف/96" . 10- مستوى الاصلاح والتكامل: { وقد احسن بي اذ اخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } "يوسف/100" .
لو تتبعنا التعريفات المتداولة للدولة الحديثة وتاريخ نشوئها واصل استعمالها، ولو عقدنا مقارنة بين هذه المضامين وبين الاستعمالات القرانية بخصوص القرية للاحظنا ما يلي: [ ان كلمة الدولة هي حديثة الاستعمال نسبياً، فلم تعرف في اوربا قبل عصر النهضة، وقد استخدمت منذ القرن السابع عشر للتعبير عن الكيان الذي يشكل في ان معاً اطاراً وركيزة للسلطة السياسية، وقديماً عبر الاغريق عن المدينة _ الدولة polis وعبر الرومان عن الجمهورية بكلمة pablica اوgvtas اما اليوم فكلمة جمهورية لا تعني ما كانت تعنيه عند الرومان فهي ليست مرادفة للدولة، انما تعبر عن نظام سياسي معين ] . [ وللدولة خصوصية تمتاز بها عن سائر الوحدات السياسية "القبلية، الحاضرة.. الخ" فلا يجوز اعتبار كل تنظيم سياسي قائم بذاته دولة كما يفعل بعض علماء الاجتماع، فالدولة تمتاز عن غيرها بوجود سلطة مؤسسة، أي قائمة على قواعد حقوقية، فالدولة كيان حقوقي، وتبقى الدولة قبل كل شيء حقيقة سياسية نابعة من ارادة سياسية، وهي ارادة العيش المشترك، ومن واقع اجتماعي – تاريخي، فالدولة احد اشكال التنظيم السياسي الذي بواسطته تؤكد الجماعة وحدتها السياسية وترسم مستقبلها ومصيرها فيه وتكون مسؤولة عن حياة الجماعة، وازدهارها وحمايتها وصون وحدتها . ولقد كان للتجارب البشرية عبر العصور الدور الاساس في نشأه الدولة الحديثة، لان هذه النشأة مرت بمراحل تاريخية طويلة، وان ظهور الدولة بمفهومها الحديث في اوربا يرافق مطلع عصر النهضة، فبنية السلطة، وترابط المؤسسات وعمل آليات الحكم والسلوك السياسي للأفراد أعطت كلها الدولة خصائص مميزة.. والدولة تبدو كشكل تاريخي خاص من أشكال السلطة السياسية9 ولو نظرنا في المواضيع المترابطة ببحث الدولة كعناصر الدولة، من الأرض والسكان والسلطة والسيادة وأشكال السلطة، والمعرضة، والرأي العام، وواجبات الدولة وأشكال الحكم مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هناك مدرس مختلفة في فهم الدولة ودورها ومستقبلها وتاريخها، وكذلك هناك تصورات للمستقبل الذي ستؤول إليه الدول المختلفة والعلاقات فيما بينها، وتكتلاتها، والنظريات المختلفة في التنمية السياسية والاقتصادية وما شابه، ولو نظرنا إلى كل ذلك فسوف نخلص إلى تحديد جملة نقاط تعين في تعريف الدولة ومعرفة خصائصها، وهي أنها: - مؤسسة اجتماعية، حقوقية، لها وظائف محددة سياسية . - إن مصطلح الدولة الحديث نشأ متأخراً وله مضامين سياسية محددة ترتكز على موضوع السلطة والقدرة في المجتمع . - إن موضوع الدولة: هو المجتمع ككل باعتباره كياناً اجتماعياً سياسياً . - إن هذا الوجود السياسي مر بأشكال مختلفة في التنظيم والنشوء ساهمت الأحداث في تحديده ألان ضمن هذا المصطلح. - ان هناك نظريات مختلفة حول نشوء الدولة ودورها وحقيقتها ومستقبلها، وبسبب تطور العلوم وضهور التخصص الدقيق في الابحاث فان موضوع بحث الدولة عند علماء السياسة اكثر تخصصاً في بعده السياسي ( السلطة والقدرة ) من علماء الاجتماع والانثروبولوجيا الذين يتناولون موضوع الدولة من بعده الاجتماعي وتاريخه الانساني وكذلك في بعده العقائدي في موضوع شكل النظام السياسي ومفهوم الولاية السياسية ومنشئها .
لا يمكن لنا ان نقول بعد استخلاص هذه النتائج من البحث ان مصطلح القرية قرانياً مرادف لمصطلح الدولة المعاصرة، لكن يمكن القول ان الدولة كظاهرة سياسية اجتماعية معاصرة نشأت من ظاهرة سابقة ووجودات اجتماعية وقانونية وسياسية سابقة حملت هذا المفهوم العام مع تطور في مضامينه، كما اننا لا نملك القطع بالشكل الذي ستؤول اليه اوضاع الدولة المعصرة، والمفاهيم السياسية والقانونية التي سيتمخض عنها واقع الدولة المعاصرة . يمكن القول ان مصطلح الدولة في بعده التاريخي ومفهومه اللغوي واستعماله المتعارف ولحاظ بعده الاجتماعي والثقافي، يمكن ان يكون مرادفاً للمعنى القرآني للقرية وطريقة تناوله لهذا المصطلح، خاصة ان القران في استعمالاته اللغوية يلحظ البعد الاساس والعناصر المهمة التي يتحمل ذلك اللفظ بغض النظر عن تشكلاته الجانبية وبروزه وتمظهره في هذا الزمن او
ذلك، وهذا استعمال عقلاني ومتعارف بين البشر في استخدامهم للمصطلحات والتعابير فيما بينهم . والقران الكريم لما نصاً لغوياً يخاطب الإنسان بغض النظر عن الزمان والمكان ومستوى التحضر، ويجري مجرى الزمن، فينبغي في بحثنا الاصطلاحي فيه ان لا نغفل عن القول ان القران الكريم ليست مهمته اعطاء مصطلحات أكاديمية، ولا مهمته علمية بحته لزمن معين، وانما بحثه بحث مذهبي إرشادي هادٍ تناول الظواهر المختلفة من زوايا نظرته التي تمثل الواقع، وتناول القران للظواهر الاجتماعية كذلك من خلال هذه المنهجية، خاصة إن التطور والحركة والتبدل تحكم حياة الإنسان كسنة الهية.
كيف تناول القران الكريم موضوع القرية؟ ان الابحاث والظواهر والقضايا التي تناولها القران الكريم المرتبطة بموضوع القرية يمكن درجها في موضوعين رئيسين يعدان من أمهات المسائل، ويتفرع من هذين الأصلين فروع وقواعد كثيرة، أما الأصلان فهما: 1- القرى وقضية التكامل الإنساني ( بعث الرسل والأنبياء ) 2- هلاك القرى: أسبابه وشروطه. ففي الموضوع الأول ( القرى وبعث الأنبياء ) نجد تفاصيل كثيرة تتعلق بالأنبياء وموقعهم الاجتماعي في القرى، ثم التقسيمات الاجتماعية في القرية، وموقفها من الأنبياء، وطبيعة تفكير كل طبقة وارتباطاتها في تشكيل النظام الاجتماعي للقرية، ودورها في صناعة القرار أو المواجهة وقوانين الصراع وما شابه . أما الموضوع الثاني فيتعلق بنهاية القرى ضمن موضوع هلاك القرى وعابها، وأنواع العاب وأسباب الهلاك وإشكاله، وشروط الهلاك وقوانينه، ودور كل مجموعة في نهاية القرى وهلاكها، ومدى ارتباط الهلاك بالموضوع الأول . ومن مجموع الأبحاث في الموضوعين تبرز أفاق جديدة ومتميزة، ويتقدم بنا البحث خطوات أكثر تفصيلاً وتعقيداً ودقة، كما في بحث القوانين والظواهر الاجتماعية، كالمفسد والظلم والاختلاف وما شابه.
الظاهرة الأولى (القرى وبعث الأنبياء)
يؤكد القران الكريم إن الأنبياء يكونون عادتاً من أهل القرى أي من أهل المدن، ومن أواسط المجتمع المتطور، والأكثر تعقيداً وليس من أهل البداوة بل يذهب القران الكريم ابعد من ذلك حين يذكر ان الانبياء يكونون من عواصم البلدان، من القرى الاكثر تطوراً وتعقيداً وتاثيراً، أي ان الانبياء ينتسبون الى ام القرى، والام هنا تشير الى موقع هذه القرية نسبة للقرى المجاورة، حيث تحتل مواقع الاحاطة والهيمنة والتاثير والنفوذ، اما بسبب موقعها الاداري او الاقتصادي او الروحي او الفكري . ان التمعن في هذه الايات والربط بين مدلولاتها يعطينا النتائج التي اشرنا اليها اعلاه، { وما ارسلنا من قبلك الا رجالاً نوحي اليهم من اهل القرى } "يوسف/109"، لاحظ ان القران الكريم صريح في الاشارة الى ان الانبياء في هويتهم الاجتماعية – حسب التعبير القراني – هم ( من اهل القرى ) وما يستبطن ذلك من مؤشرات كثيرة، في فهم موقع الانبياء وشخصيتهم الحضارية . قد تكون البداوة حالة نادرة وموقتة في حياة الانبياء, وهي حالة طارئة تجاوزوها بانتقالهم الى خضم المدن والقرى، معتبرين هذه النقلة والحضور في الوسط الاجتماعي الاكثر تعقيداً خطوة اكثر تكاملاً واوسع فسحة وارحب افقياً، وهي في سياق فسحة الحرية والخروج من قضبان السجن الضيقة، كما تشير الى ذلك دعوة يوسف وشكره لله تعالى: { ورفع ابويه على العرش وخرجوا له سجداً وقال يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد احسن بي اذ اخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } "يوسف/100"، اذ جعل خروجه من السجن ومجيئهم من البدو في سياق واحد، ونعمتين في درجة متساوية، وفي ذلك اشارة واضحة الى اهمية النقلة من البداوة الى الحضارة المدنية . الأنبياء بين خصوصية الوطن والانتماء الإلهي من المفيد ان نتطرق في بحثنا الى قضية المصطلح والمرشد وانتمائه القومي او الوطني، انتساباً لقوم معينين، او لوطن معين، ثم بمجموعها يتشكل انتسابه الى حضارة ومرحلة تاريخية خاصة، وفي ذلك نجد ان القران الكريم لم يقفز على هذه الانتماءات ولم يتجاوزها بل تعامل معها بشفافية ووضوح، وان الانبياء استخدموا هذه الانتماءات واستثمروا في دعوتهم مع كونهم يمثلون قمة التكامل الانساني ونموذج رواد الاصلاح والارشاد، والمسيرين الهيا في عملهم الاجتماعي، حيث نجد ان الخطابات النبوية العامة اكدت استخدامها لنداء: { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره } "هود/50"، { ويا قوم ما لي ادعوكم الى النجاة وتدعونني الى النار } "غافر/41" . كما ان القران اشار الى انتماء الانبياء الى القرى بقوله: { وكاين من قرية هي اشد قوة من قريتك التي اخرجتك } "محمد/13" . ومن جانب اخر اشار القران الى الانتماء العربي للرسول، واكد اكثر من مرة على عروبة اللسان والبيان الذي نزل به القران الكريم، وكذلك انتماء بعض الانبياء الى بني إسرائيل، { وكذلك اوحينا اليك قرانا عربياً } "الشورى/7"، { وكذلك انزلناه حكما عربياً } "الرعد37"، { ولقد اتينى بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة } "الجاثية/16"، { ومن ذرية ابراهيم واسرائيل وممن هدينا واجتبينا } "مريم/58" . على اننا نجد القران الكريم قد اكد عالمية الرسول، وبعض الرسالات، وانها للعالمين كافة، بقوله: { هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كافة } "الصف/9"، { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } "الفرقان/1" . فكيف نجمع بين الامرين؟ بين خصوصية الانتماء للقوم وللعشيرة وللوطن والقرية والمؤسسة الخاصة وبين الدعوة العالمية، والانتماء الالهي، وان كان هذا الاشكال يخف امره عندما تكون دعوة الانبياء خاصة لقرية او لجماعة او لعشيرة او زمن خاص، كما هو حال عموم الانبياء، اذ يمثلون حركة الهية محدودة وخاصة لعلاج مشكلة او ضاهرة خاصة او مجتمع معين او قوم خاصة . وهناك دعوات عامة اضطلع بها اولو العزم من الرسل، بل ان بعض الباحثين يصل الى ان دعوة محمد( صلى الله عليه واله وسلم ) هي وحدها الدعوة العالمية، وكل الدعوات الأخر من الرسالات السماوية من اولي العزم كانت دعوات خاصة بقوم او محددة بزمان معين، { ولقد ارسلنا نوحاً الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله } "المؤمنون/23"، { والى مدين اخاهم شعيباً فقال يا قوم اعبدوا الله } " العنكبوت/36" . والتساؤل هنا هو: هل يفترض أن تكون الدعوات والحركات السياسية التبليغية عالمية، امتدادا لموقع الرسول؟ ام أن هذا الموقع خاص بالنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ) لخصوصياته، وللاوصياء وللمنصوص عليهم من بعده؟ وهل يحق لغيرهم تحمل المسؤولية العالمية كافراد او مؤسسات؟ وهي تساؤلات تصلح نواة لابحاث اخرى في شؤون الدعوة والتبليغ والتحرك السياسي، ليس مجالها في بحثنا هذا، نرجئها لفرصة اخرى . يشير القران الكريم الى انه ليست كل القرى مشمولة بالرحمة الالهية ببعث النبياء،خلافاً لحال الامم، { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً } "الفرقان/51" . ولكن في مقابل ذلك نجد أن القران يؤكد على { وان من امة الا خلا فيها نذير } "فاطر/24" ، فليس نزول الرحمة لكل القرى قرية قرية، وان اكدت هذه الرحمة الشاملة لكل القرى من خلال بعث الأنبياء لكل امة، أي ضمن القاعدة( الأمة وقوانينها )10، ومن جانب اخر فان القران الكريم يشير الى أن الرحمة يبعث الأنبياء تخص ام القرى وما يحيط بها من تجمعات سكانية، من قرى اقل شاناً، وان بعث الأنبياء في ام القرى وما تشهده من ابلاغ وانذار وارشاد وهداية سوف يلقي اثره وضلاله وانواره على القرى الاخرى المحيطة، ويعتبر القران الكريم أن خضوع باقي القرى ضمن دائرة إشعاع القرية الام حجة كافية وابلاغ يستحق اهلها العذاب والمؤاخذة بسببه على موقفهم من الرسول والرسالة والمرسل، وان لم يكن بعث الرسول اليهم مباشراُ، او أن الحجة لم تشملهم بشكل مباشر، لاحظ الاية الكريمة التالية: { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في امها رسولا } "القصص/59"، وهنا نجد أن موضوع القرية بحث من جانب شمول الهلاك للقرى المرسل اليها، والاخرى التي لم يبعث اليها رسول، وبذلك فان الحجة في ام القرى تشمل القرى الاخرى المحيطة بها، وقد نجد هنا اشكالاًً في أن الجهة موضع الانذار هي غير الجهة المشمولة بالهلاك، وان الهلاك امتد ليشمل الدائرة الاكبر المحيطة بالعاصمة الام، وقد اجابت الاية الكريمة عن هذا الاشكال في نموذج الرسول محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) ومكة والقرى من حولها: { وكذلك اوحينا اليك قراناً عربياً لتنذر ام القرى ومن حولها } "الشورى/7" . ان في هذه اللفتة الفرانية اشارات اجتماعية وحركية مهمة، ولعلها تشير الى ان مهمة الاصلاح والهداية الربانية تستهدف دائرة الاستقطاب وموقع التاثير ومركز السلطة والهيمنة الاجتماعية والسياسية مثل العواصم الادارية او المدن ذات التأثير الثقافي و الديني . وبالتعبير الأدق والاجمل ( ام القرى ) على مختلف صور الارتباط بين هذه القرية العظيمة وباقي القرى المحيطة بها ادارياً او اقتصادياً او ثقافياً . والاشارة الثانية هي ان شمول القرى الاخرى بالهلاك يفترض مسبقاً ان الحجة قد القيت عليهم وشملتهم بالبلاغ، وكيف لنا ان نتصور ذلك؟ ان البعث في ام القرى، وان الساحة الاولى للمواجهة التبليغية والارشادية هي ساحة العاصمة والتي تكون عادتاً حادة وكبيرة وطويلة، ثم شمول الحجة والهدى القرى الاخرى، ثم خضوعها لقانون الهلاك وسلب الرحمة رحمة البقاء عنهم، ويمكن ان نفسر ذلك بعدة صور: الصورة الاولى: ان الهدى سيفرض وجوده على ام القرى ومنها يسطع الى باقي القرى . الصورة الثانية: ان حركة الانبياء ستشمل ام القرى والقرى المحيطه بها وسيكون ذلك نوع ابلاغ لهم . الصورة الثالثة: ان احداث المواجهة مع الانبياء في ام القرى وتصعيد الانبياء لهذه المواجهة سوف يصل الى سماع القرى الاخرى بحكم ارتباطهم الفكري او الاداري او الاقتصادي بالقرية الام، ويمكن اعتبار ان هذا الوصول لمثل هذه القضايا نوع ابلاغ والقاء حجة عليهم، وبذلك يكون الهلاك والمؤاخذة واستحقاق العذاب ضمن القانون والسنة الالهية . ________________________ مجلة حوار الفكر /مبحث "الامة" العدد بسم الله /ايار 2005 .
( هلاك القرى )
الموضوع الثاني الرئيس الذي يتعرض له القران الكريم في بحث القرى هو هلاك القرى، وقد تناولته ايات كثيرة متحدثة عن: - اسباب هلاك القرى واوصاف القرى الهالكة. - شرائط الاهلاك واشكال الهلاك . - ظاهرة اخراج الرسول بشكل خاص، اذ يجعلها القران مؤشراً لهلاك القرى . ومن المقارنة بين بحثي القرية، والامة، في القران الكريم نجد ان المواضيع المختلف فيها بين البحثين في هذا الصدد هو ان القران الكريم في موضوع الامم طرح فكرة (الاجل) بينما في موضوع القرى طرح فكرة (الهلاك)، وفي هذا السياق يثبت القران حقيقة بقاء القرى انها مستمرة حتى يوم القيامة . { وانْ من قرية الا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة او معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا } "الاسراء/58" فما هو منشأ هذا الاختلاف؟ اذ نجد الامة محكومة نهايتها بقانون (الاجل) و(الاجل المسمى) و(الاجل المحتوم) فيما نجد ان القرى يحكمها قانون اخر هو (الهلاك) و(العذاب)، ولم تستخدم كلمة (اجل) كاشارة الى نهاية القرى في القران مطلقاً .
وقبل الدخول في بحث اسباب الهلاك، من المفيد ان نتناول بشكل مختصر مصطلح (الهلاك) لغوياً وقرانيا . ((هلك: الهَلْك: الهلاك، قال ابو عبيد:يقال الهًلك والهُلك والمُلك والمَلك هلك يهلك هُلكاً وهَلْكاً وهلاكاً: مات .. الازهري: قوم هلكى وهالكون .. وأهلكه غيره واستهلكه. وفي الحديث .. اذا قال الرجل هلك الناس فهو اهلكهم .. وفي الحديث: ما خالطت الصدقة مالاً الا اهلكته، قيل: هو حث على تعجيل الزكاة من قبل ان تختلط بالمال بعد وجوبها فيه تذب به .. والهَلكة: الهلاك .. وقوله عز وجل : وجعلنا لمهلكهم موعداً، اي لوقت هلاكهم اجلاً، ومن قرأ لمهلكهم فمعناه لإهلاكهم .. واستهلك المال: أنفقه وأنفذه .. والهلك، مَشرفة المهواة من جو السُكاك لانها مَهلكة .. وقبل الهلك المهواة بين الجيلين .. والتهلكة: الهلاك، وفي تنزيل العزيز: ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة … والهَلكى: الشرهون من النساء والرجال: رجال هلكى ونساء هلكى،الواحد هالك وهالكة، ابن الاعرابي: الهالكة النفس الشرهة ..))11 .
_________________________ 11 ابن منظور/ لسان العرب مج4 . وعموماً فالدلالة واضحة في هذه المادة اللغوية (هلك) على الموت والفناء والعدم، والحال هذه نفسها في سائر المعاجم قديماً، الا اننا نلمح في هذه المادة اللغوية في معاجم اخرى معنى مضافاً، كما يظهر في قوله ((هلك – هلاكاً وهلكاً .. النفس:ت، ( ولا يكون الا في ميتة سوء ) ، - النفس : سقطت في جهنم .. المهلك ايضاً : الحروب … ))12 .
يمكن اكتشاف الأسباب التي وردت في القران الكريم لهلاك القرى بشكل مباشر، فهو يشير إلى ذلك بوضوح، كما يمكن أكشاف تلك الأسباب من خلال الأوصاف التي يعطيها القران الكريم للقرى التي جرى بحقها قانون الهلاك، مثل كفرت، عتت، بطرت. ويمكن عرض الأسباب التي ذكرها القران الكريم لهلاك القران الكريم لهلاك القرى في النقاط التالية: 1- الظلم: { وما كنا مهلكي القرى الا واهلها ظالمون } "القصص/59"، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً } "الكهف59"، وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد } "هود/102"، وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } "الانبياء/11" تعرض القران الكريم الى موضوع الظلم باسهاب، وللقران مفهوم واسع عن الظلم، ولكن يكمن القول وبشكل مجمل ان الظلم تجاوز على طريق الحق، سواءاً اكان تجاوزاً على حق الله المتمثل بالحمد والطاعة، ونتيجة هذا الظلم الكفر والمعصية، ام تجاوزاً على حق الاخرين، الذي قد يكون تجاوز فرد على امة من قبيل ظلم الحكام للشعوب، وقد يكون تجاوز شخص على شخص، وقد يكون تجاوز امة على امة . والموضوع القراني الأخر الذي يرتبط بهذا البحث هو مصطلح الفساد كما ورد في القران الكريم. ان القران الكريم يقرر حقيقة مطلقة وهي ان الظلم سبب الهلاك، وان قانون الهلاك يجري او يتحقق بسبب ظاهرة الظلم التي تسود في القرية، بغض النظر عن شكل هذا الظلم وموضوعه، فالمهم ان الظلم يتحول الى ظاهرة عامة تسود القرية بسبب موقف اكثر افراد القرية { القرية الظالم اهلها } "النساء/75"، او لطبيعة العلاقات والقوانين الجارية فيها، سواء اكانت اجتماعية ام اقتصادية ام اخلاقية، كما يشير القران الكريم في الاوصاف التي يطلقها على القرى الهالكة بانها بطرت معيشتها، او كفرت بأنعم الله، وتجد ان الظلم و التجاوز على الحقوق على صعيد العمل والممارسة وهو الاكثر وروداً في القران الكريم، مثل ظلم الحكام كفرعون، وعدم الامانة السوقية كما في قوم شعيب، او الاخلاقية كما في قوم لوط، او الكفر كما في قوم نوح،او البطر والترف كما في قوم صالح، الى غير ذلك من اشكال التجاوز والظلم والاستعلاء على الرسالة، وسوف نتناول ظاهرة الظلم والفساد وطرقة تناول القران الكريم اياهما يشكل مفصل في أبحاثنا القادمة . _____________________ 11 فؤاد افرام البستاني/ منجد الطلاب 2- البطر والترف: { وكم اهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم الا قليلا وكنا نحن الوارثين } "القصص/58" . يشير القران الكريم الى ظاهرة اقتصادية – اجتماعية تمر بها بعض القرى والمجتمعات والدول، وهي ظاهرة تنامي الوضع الاقتصادي لبلد ما لعوامل كثيرة، يجمعها عنوان الرزق والفضل الإلهي ودور الإنسان في الإفادة من النعمة واستثمارها وتنميتها، حتى تغدوا المادة قيمة عليا في المجتمع من جهة، ويصبح النمو الاقتصادي متصاعدا ومتراكماً ولا يحتاج الى عناء، وعبء على الافراد، وفي ظل هذه الحالة الاقتصادية واستحكامها او بسبب القوس الصاعد لنمو وازدهار البلد او مجتمع من المجتمعات حيث يبلغ المجتمع او القرية او الدولة ذروة عطائها واستكمال نموها، مما يتسبب في نشوء شعور نفسي للفرد او للجماعة، هذا الشعور المركب من احساس بالزهو، واستغناء بالنفس وبالنظام الاجتماعي، واستعلاء على الاخرين افرادا او جماعات، فخراً واعتزازاً بما وصلت اليه القرية او البلد او الدولة من اكتفاء ذاتي ورفاهية ووفرة في نعمة . هذا الاحساس النفسي بالزهو بالنعمة، والكفران بالنعم، والاستغناء بها عن مسببها، وما ينتج عن هذا الشعور، وكذلك الاحساس النفسي الناجم عن سلوك البذخ والاسراف في الصرف وعدم التقدير والتدبير والتخطيط في استثمار الموارد في صونها او توزيعها.. هذه الظاهرة المترابطة والمتشابكة مع نمو النعمة والشعور بالاستغناء والاسراف ، والبذخ في الصرف، وعدم التقدير والتدبير، والتي يطلق عليها بمجموعها "البطر" وبطر المعيشة، سوف تؤدي الى بدية قوس النزول الذي يتسم عادة بتعجيل متصاعد في الهبوط والنزول، اذ ينزل بالبلد والمجتمع الهلاك،هلاك البوار، وفقدان النعمة وضياعها، والذي ينتج الكسل والخور وغياب الطموح وانقسام المجتمع وتشتت الآراء، والاستعلاء على الرسالة والرسول المنقذ، فتخرج هذه القرية من مجال قانون البقاء والاستمرار لتغدو وقد سلبت عنها رحمة البقاء بما تعيشه وتمارسه من سلوكيات تمنع نزول الرحمة، ولتدخل في مجال قانون الهلاك والنهاية البائسة والسريعة . ويبدو ان السبب البطر هو سبب اقتصادي ونفسي، كما يشير الى ذلك القران الكريم عند ذكره اسباب هلاك القرى والبلدان والدول، اذ نجد انه يشير الى شيوع هذا السبب في هلاك القرى، ففي قوله تعالى: { وكم اهلكنا } دلالة على الكثرة والاتساع، كما ان القران الكريم من مثل هذه القرية التي تعيش هذا المرض مرض البطر والترف، مضرباً للمثل ونموذجاً سيئاً يحذر من الوقوع فيه، فقد قال تعالى: { وضرب الله مثلاً قرية كانت امنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بانعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوأ بصنعون، ولقد جائهم رسول منهم فكذبوه فاخذهم العذاب وهم ظالمون } "النحل/1122-113" . ان الايتين واضحتان في وصفهما للحالة، وفي تشخيص الاسباب، وفي ذكر النتائج، ويمكن ان تكونا وما بعدهما من الايات الكريمة معلماً في فهم اوضاع المجتمعات والبلدان والدول . انها تصف حالة مجتمع او دولة يسودها الامن والاستقرار الى درجة الاطمئنان للحاضر والطمأنينة للمستقبل، لان حالة الطمأنينة تعكس بعدا مستقبليا ًلتوقع الخير القادم او استمرار الاستتقرار الفعلي لامد طويل يستوعب حياة هذا الجيل او حتى الاجيال القادمة مما يورث ذلك الاطمئنان . هذا التمكن من الامن والاستقرار يعكس قدرة المجتمع والدولة الادارية والعسكرية والقانونية، مما يوفر ارضية لتطور اقتصادي جيد بسبب الاستقرار، وضبط الامور، وتوجه المجتمع الى استثمار النعمة والفضل الإلهي، بحيث تصل هذه الدولة او المجتمع (القرية) الى درجة نمو اقتصادي عالٍ، وفق التعبير القراني الجميل (ياتيها رزقها)، والضمير هنا عائد على القرية، فالقرية تعطي ما عندها او تستوعب الفضل الالهي بما تستحق من استعداد بسبب الاستقرار والامن وحسن الاداء، فهو اذن رزقها بما تملك من درجة استيعاب وعطاء، وليس عطاؤها مطلقاً وعاماً، بل هو بقدرها ومما عندها، ووصف ذلك الرزق (رغداً) فيه اشارة الى النمو المتصاعد في الانتاج ووفرة العطاء وكثرته وسهولته، وهذه هي طبيعة النمو الاقتصادي قي المجتمع الذي يعيش قوس الصعود، وان تعبير(من كل مكان) إشارة إلى طبيعة الحركة الدائبة في الفقرية أو البلد، والى إن كل الصناعات والأفراد والموارد الطبيعية والانتاجية كلها في حالة نمو وعطاء وتقدم، فليس هناك نمو مصطنع او اتكاء على عكازة واحدة من مورد اقتصادي يمتاز به، بل النمو الاقتصادي السليم هو النمو الذي يشمل جميع الموارد، فالحركة الاقتصادية الصحيحة عندما تكون شاملة لكل مرافق الاقتصاد والمدينة والدولة، فانها تمثل قمة النمو للقوس الصعودي، وتمثل نصف قرن من حياة المجتمع تقريباً13 والقرن هنا بمعنى الامة او الجيل من الحياة البشرية، فقد اشار الفران الكريم الى القرن في معرض حديثه عن الشعوب الناهضة والقرى التي اصابها الهلاك، فقل: { الم يروا كم اهلكنا من فبلهم من قرن مكانهم في الارض ما لم نمكن لكم وارسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فاهلكناهم بذنوبهم وانشأنا من بعدهم قرناً اخرين } "الانعام/6" والتمكين ادق وصف للقرية وللمجتمع الذي يتميز بنمو وتطور امني واقتصادي، وحالة من الاستقرار . اما القوي النازل والهبوط فيشير اليه القران الكريم استكمالاً لبحث القرية الامنة المطمئنة التي ياتيها رزقها، اذ يبدا قوس الهبوط او منحنى النزول بظاهرة نفسية وثقافية وسلوكية، هي ظاهرة البطر والكفر . { فكفرت بانعم الله }، هي ظاهرة الكفر، ليس الكفر مطلقاً، انما من زاوية ولحاظ الكفر بالنعمة الالهية، هذه الظاهرة التي تتمظهر بثقافة السنة.عدم تقدير النعمة وسلوكية الاسراف والترف، وبنفسية البطر والاستعلاء والتعلق بالدنيا والمادة، وما يتبع ذلك من حرص على الاقتناء، وكسل في الانتاج، وشيوع السلوكيات المنحرفة، سواء في السوق او في العلاقات الاجتماعية، او في الاستقرار والامن . ______________________________ 13 ابن خلدون ابن الجبل(40) تربعون سنة في كل مرحلة من مراحل نموه وهبوطه، ولما كانت مراحله ثلاثاً فيكون القرن والجيل عنده مائة وعشرين سنة . الكفر بالنعمة وبالتحديد الكفر بانعم الله، فهو الكفر بالمنعم، والاستغناء عنه والشعور بالقدرة الذاتية للانسان بعيداً عن الشعور بالمدد الالهي، كما جاء في قول قارون: { انما اوتيته على علم عندي } "القصص/78" . ومثل هذه الثقافة، وهذا الشعور والسلوك يودي لا محالة الى قلة الانتاج والى سلوكية الاستحواذ وسلب ما عند الاخرين، وغلبة القوي للضعيف، ثم دفاع الضعيف عن رمقه ولقمة عيشه، وحين يتحول الكبار المترفون الى حالة الجشع والاستحواذ الى ما عند غيرهم يتفكك المجتمع ويسود الخوف، الخوف من الحاضر وما فيه، ومن المستقبل الغامض، فيؤدي ذلك الى قلة النمو والى سحب رؤوس الاموال او هروبها، والى سوء التوزيع، فيكون الجوع والعوز وما يليه من خوف اخر من الحاضر، ومن تقلباته ومن فقدان الامل بالمستقبل، وهي ظاهرة معقدة مترابطة متشابكة يشد بعضها بعضاً . والسبب في كل ذلك هو الانسان وسياسته ومواقفه وسلوكياته واجرامه وبطشه وأهواؤه .. كما تشير الى ذلك الاية الكريمة { بما كانوا يصنعون } . وهذه الظاهرة المطردة في قوس الصعود ومنحنى النمو وقوس النزول ومنحنى الهبوط تشمل كل المجتمعات عموماً، عندما تعيش الواقع وتطوره بعيداً عن الله ، وعن المنعم الحقيقي وعن السماء وعن البارئ الوجود . ان ذلك الاطمئنان المشار اليه في الاية الكريمة وذلك الرغد في المعيشة والرزق، وتلك القفزة نحو الامام ناشئة من عطاء الله العام، ورحمته شاملة، وناشئة من ان قانونه تعالى هو العطاء لمن يوفر ارضية نزوله وشموله، لاحظ قوله { ياتيها رزقها }، وقوله { فسالت اودية بقدرها } "الرعد/17" . غير ان ها العطاء سرعان ما يزول بزوال ارضية استمراره، بسبب الكفران بانعام الله والغرور بالنفس، فيعود الوضع القهقرى، ويرجع إلى نقطة انطلاقه وبدليته، فتكون تلك القفزة نحو الامام ناقصة، وتغدو متعة الرزق والاطمئنان غير قابلة للنمو المستمر، وهي سنة الحياة في المجتمعات والقرى والدول والبلدان ، بغض النظر عن الشريعة والمعتقد لان الاية ليست في معرض التشريع ووضع القوانين والاحكام والتكاليف، بل هي في معرض تقرير حالة ووصفها وبيان ملابساتها ومراحلها وعناصرها، فهي تصف حالة وواقعاً، ولا تسن احكاماً لتلك الحالة والواقع . وهذا القانون او السنة الالهية في القرى والمجتمعات نجد مشابهاً له في حالات الانسان والفرد، في استثمار ما عنده لتنمية قدراته وكمالاته، لكنه حين يكفر بالنعم وسيتغني بنفسه، ويستعلي على الواقع والحقيقة الموضوعية، بمشاعر نفسية باطلة من زهو واعتزاز، فانه ينكفى سريعاً، وتخسف به مدعياته، لانه اصبح غير واقعي ولا موضوعيا، ولا يستند على امر صادق. نجد ذلك واضحاً في التصوير القراني لهذه الحالة الانسانية التي يمر بها الانسان، كفرد في مشاعره النفسية وسلوكياته الفردية، كتلك التي عاشها قارون من قبل قي بني اسرائيل والذي حباه الله المال والكنوز .. { ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم واتيناه من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة اذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين } "القصص/76"، مصدقاً لقوله تعالى: { كلا ان الانسان ليطغى انْ راه استغنى } "العلق/6-7" . 3- الانحراف الاخلاقي { ولوطاً اتيناه حكماً وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث انهم كانوا قوم سوء فاسقين } "الانبياء/74" . العامل الاخر الذي يطرحه القران الكريم كسبب لنهاية القرى والمجتمعات هو العلاقات الاخلاقية السائدة بين افراد المجتمعات التي يسودها النظام الاجتماعي، وقانون الفطرة كما يشير القران الكريم قابل للتحدي، ولو لامد ولفترة، ولكنها في نهاية المطاف لتفرض قانونها وصبغتها ووجودها، ومن ذلك تحدي البعض للفطرة في وجود العائلة وتكوينها واطرافها وطبيعة العلاقة الجنسية وموضوعها وشكلها . ان الجنسية المثلية، وهدم العائلة، وهدم العلاقات الطبيعية بين الرجل والمراة بالارتباط الجنسي بين الرجل والرجل، او بين المراة والمراة، كذلك مضاهر للفساد المخرب للمجتمعات وللعلاقات السائدة فيه، وبذلك تكون مثل هذه المجتمعات التي تتحدى الفطرة وقوانينها في معزل عن رحمة استمرار البقاء والتطور، وفي قوس النزول والخراب والهلاك والنهاية، بل يصبح وجود الرسول والمصلح الرباني في وسط هذا المجتمع امراً غير منسجم ونشازاً في النسيج الاجتماعي، ويصبح امر اخراج الرسول علامة ومؤشر لنهاية هذا المجتمع، ودخوله في طور الهلاك والنهاية، والذي يتميز بالسرعة والانحدار { فما كان جواب قومه الا ان قالوا اخرجوا ال لوط من قريتكم انهم اناس يتطهرون } "النمل/56" . 4- الخروج على امر الله { وكأين من قرية عتت عن امر ربها ورسله } "الطلاق/8" . يذكر القران الكريم في اسباب هلاك القرى والبلدان وتفككها وهلاكها ظلمها المتجسد في حالة الرفض والخروج عن امر الله . وهنا يطرح سؤال، وهو: هل ان من اسباب هلاك البلدان والمجتمعات الكفر أو المعصية ؟ والفرق واضح بينهما . وهل صرح القران بان الكفر بالله كوجود وحقيقة يؤدي الى نهاية وجود المجتمع ككيان اجتماعي متماسك ومترابط ضمن نظام اجتماعي محدد؟ وكيف نفسر إذن الأنظمة القائمة في العالم وقيام بعض الحكومات التي فيها ممارسات تتسم بالعدالة والمساوات، وهي مجتمعات علمانية، او لها من الدين كمعتقد موقف؟ فهي ظالمة على هذا الصعيد، ولكنها عادلة وسوية على صعيد الواقع الاجتماعي والاقتصادي. وبتعبير اخر: هل تصح مقولة ان الملك يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم ؟ فلا يكفي الكفر ليكون سبب لهلاك الدول والقرى والمجتمعات، وانما السلوكيات والمواقف داخل المجتمع، والتي ترتبط بالعدالة الاجتماعية والعلاقات الانسانية بمختلف اشكالها الاقتصادية والسياسية والثقافية، هو الامر المهم المرتبط مباشر بهلاك المجتمع والدول والبلدان، ويكون سبباً لهلاكها14 . وقد تكون بعض هذه السلوكيات والمواقف الاخلاقية نتيجة لمعتقد خاطئ ولتصورات غير سليمة عن الله، كالكفر في المعتقد، والشرك، وما شابه . ومن هنا نجد ان القران الكريم يطرح مسالة الكفر بالله كعامل غير مباشر وكأرضية ومنشأ لسلوكيات عدوانية على الآخرين، أو يكون الكفر أساسا لسلوكيات اجتماعية واقتصادية تتسم بالظلم والتجاوز، كما نجد ذلك في : { تعمل الخبائث } "الأنبياء/74"، { بطرت معيشتها } "القصص/58"، { كفرت بانعم الله } "النحل/112" . ولذلك نجد القران الكريم يركز على الظلم كظاهرة اجتماعية وأخلاقية، أكثر من تركيزه على موضوع الكفر والجحود، كسبب لهلاك القرى والمجتمعات. 5- اخراج الانبياء وابعاد المصلحين والاولياء يشير القران الكريم الا ان من اسباب هلاك القرى، وصول درجة المواجهة والرفض عند اهل القرى الى مستوى عدم تحملهم وجود الانبياء والمصلحين الربانيين بينهم، وفي اوساطهم، فيدفعهم هذا الحقد والرفض للنور المنبعث وللهدى النابع من وجود الانبياء وبركتهم، ومن الخير والحق الذي يمثلونه، الى طردهم من قريتهم، واغتيالهم وابعادهم عن موطنهم وقريتهم ومجتمعهم . ان عملية الاخراج القسري للوجود المبارك لمنبع الهدى والخير المتمثل بالرسول او النبي المصلح، وطرده ونزعه من وطنه، ومن وسط عشيرته وقومه، يمثل في الحقيقة عدواناً سافراً على القيم الانسانية الخيرة، وسحقاً لاعراف واسس الوجود الاجتماعي، لان الرسول والنبي كما اشار القران الكريم { من اهل القرى } "يوسف/109"، ومن المعروفين في مجتمعه نسباً وخلقاً، ومن الممدوحين بسمو اخلاقه وكماله، فتكون عملية الطرد والاخراج لهذا الشخص، بهذه الخصوصية والمواصفات، هي في الحقيقة عملية رفض للقيم وللمعاني الخيرة، وتكون تخلياً عن لبسط المعاني الانسانية والفطرية للانسان والمجتمع. ان الرسول والمصلح لايمتلك الا الكلمة والدعوة الصالحة بالتي هي احسن، ولا يستخدم اسلوب الفرض ووسائل القهر او الجبر او الايذاء، ومع ذلك فان المجتمع الذي يقف امام كلمة الخير والهدى والاصلاح المفعمة بالمحبة والإخلاص للقوم وللناس كافة، يكشف انه قد وصل الى ابعد درجات السقوط وقوس النزول ومنحنى الانحراف، وبذلك فهو ليس اهلا لشموله بقانون الرحمة العام، وتكون القرية في مهبط التلاشي والنهاية والتمزق، فتدخل في قانون الهلاك، بغض النظر عن شكل هذا الهلاك والعذاب وكيفيته وطريقته . _______________________________ 14 يرى السيد الشهيد الصدر ان سبب الاستعمار والاستكبار المعاصر يرجع الى البطر في النعمة وسوء التوزيع، فهي ظاهرة اخلاقية اقتصادية . وبالرجوع الى قصص الانبياء الواردة في القران الكريم، ومسيرة حياتهم وحركتهم في مجتمعاتهم وقراهم، تجد تلك الظاهرة – ظاهرة اخراج الانبياء عن اوطانهم وقراهم ومسقط راسهم ومأنس انفسهم15 – واضحة ومذكورة بشكل مطرد، ثم ياتي حديث القران بعدها عن نزول العذاب، ووقت نزوله، واشكاله . ومن خلال تلك الايات الكريمة نصل الى شرط الهلاك هو تحقيق البيان ببعث الانبياء، ونصل الى ان سبب الهلاك هو طرد الانبياء وابعادهم عن اوطانهم. فمع وجود النبي لا ينزل العذاب، ولا يتحقق الهلاك، لموقع النبوة فيهم.
{ ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض، ولكن كبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون } "الاعراف/96" . في مقابل قانون الهلاك نجد قانوناً اخر في حياة القرى والمجتمعات، هو قانون النمو والمطرد والعطاء المتصاعد في مختلف جوانب الحياة في القرية وفي البلد، وهو قانون "البركة الذي يصاحب حياة القرى والبلدان المؤمنة الملتزمة بالاحكام والنظم الالهية، والذي يؤدي الى جريان القرية في صراط التكامل والصعود، مما يؤدي بدوره إلى ادخالها في قانون العطاء المتصاعد، وهو ما يسميه القران الكريم بالبركات . ان قانون البركة ملازم للقرى المؤمنة المتقية التي تعيش الارتباط بالله تعالى ايماناً وتصوراً، وتحياه سلوكاً وممارسة، وتلتزم به مشاعراً وآمالا، هذا المجتمع وتلك الدولة لا تكفي بالايمان كعنوان او صيغة رسمية شكلية، وانما تتعامل مع الايمان كقضية وجود، وتعيشه كممارسة، وهو ما يسميه القران الكريم بالتقوى { امنوا واتقوا } . ويؤكد القران الكريم ان غياب الايمان والتقوى لا يؤدي الى الهلاك، وانما يفقد الوجودات الاجتماعية البركة الالهية، ويخرجها من قانون البركة، ويحيل القرية الى نفسها والى عملها والى مواقفها، وما يتحمله عملها من نتيجة تعود عليها بالهلاك، فنكون بذلك قد رجعنا الى قانون الهلاك واسبابه التي اشرنا اليها سابقاً، وتكون القرية عند ذلك خاضعة لعملها وموقفها، ومحكومة بكسبها، وكما يصرح القران الكريم: { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } . وكان القران الكريم في عرضه لقانون البركة بهذه الصيغة، يشير الى ان القانون العام هو الهلاك، بسبب اعمال القرى وسلوكها وموقفها وعتوها عن امر الله والكفر بنعمته، والبطر والظلم والطغيان، وما يجره كل أولئك على القرى من نتائج واثار ضمن قانون تحدي الفطرة ووفق قانون { فاخناهم بما كانوا يكسبون } . اما طريقة عرض القران الكريم لقانون البركة، فيعرضه كأنه استثناء من قانون { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } ، وبذلك يتميز المجتمع المؤمن والقرية المتقية التي تعيش النظام الرباني ______________________ 15 كما يشير الى ذلك الامام السجاد عليه السلام في الصحيفة السجادية عند صلاته على الرسول "صلى الله – عليه واله وسلم" . من قانون (النتائج مساوية للعمل)، وتحكم بقانون جديد يضيف الى النتائج عطاءاً مضاعفاً يفوق حجم اسبابه ومقدماته، فتكون النتائج اكبر بكثير من مقدماتها، وهذا هو قانون البركة، والعطاء الالهي، ومن مصاديقه قانون الصدقة والحسنة والعمل الصالح، { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له } "الحديد/11"، { من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها } "الانعام/160". ان هذا القانون عام في الكون، ومسيرة الحياة، وهو تعبير عن الرحيمية التي تحكم كل الوجودات، وتختص بالحسنة واهلها، وترتكز الرحيمية على الرحمانية التي اختص الله بها الانسان والاشياء والاعمال التي ترتبط ارادتها بالله ، وتسير في حركتها وفق النظام الالهي، وتعيش السلام والانسجام مع الوجود كل الوجود، فيفيض عليها مصدر الخير والعطاء من معين لا ينضب، وبغير حساب .
الشرط العام الذي يضعه القران الكريم لهلاك القرى والمجتمعات، والذي به يحق عليها قوس النزول والتفكك، هو البيان والحجة الالهية على هذه القرية او المجتمع . هذا البيان والحجة والبلاغ الذي يتضمن بعث الانبياء والرسل لتلك القرى، او وصول اصداء الرسالة اليهم ووضوحها، مما يجعلهم ازاء قضية محددة واضحة هي الرسالة الإلهية المنسوبة لله ، وذلك من خلال الرسول المدعم بالبينة والحجة { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } "غافر/78" . ويطرح القران موضوع البيان والحجة بعناوين مختلفة، وبلحظات متعددة فيطرح هذا الشرط من زوايا ومسميات مختلفة، وعل سبيل التمثيل يسمى ذلك احياناً بعث الانبياء: { وما كان ربك مهلك القرى حتى بيعث في امها رسولا } "القصص/59" . فشرط قانون الإهلاك والهلاك كما تشير الآية الكريمة إن تكون المجتمعات قد مرت بتجربة الرحمة الخاصة ببعث الأنبياء، وانتفاء الشرط ينفي النتيجة أو المشروط. فالقرية والمجتمع لا يشملهما الهلاك اذا لم يمرا بتجربة البيان وبعث الانبياء اليهم بشكل مباشر او غير مباشر، كان تكون القرية قد وصلت اليها اصداء الرسالة من خلال اثار التبليغ في القرية الام: { وكذلك اوحينا اليك قرانا عربياً لتنذر ام القرى ومن حولها } "الشورى/7" . وبذلك يكون اندثار القرى ونهايتها وافولها مرتبطاً ببعث الانبياء، وكان الاهلاك ان يحل بقرية او بمجتمع لاي سبب، ما لم تعش القرية تجربة الاصلاح والمصلحين، وتحدد موقفها من هذه التجربة والظاهرة: { وما اهلكنا من قرية الا لها منذرون } "الشعراء/208" . وقد يتعرض القران الكريم لشرط هلاك القرى، في احيان اخرى تحت مسمى وعنوان اخر هو عنوان الغفلة، فالقرية التي تعيش الغفلة، ومعنى الغفلة هنا ان تلك القرية لم تمر بالرحمة الخاصة وبتجربة بعث الانبياء وظاهرة الانبياء والرسالة، تكون خارج قانون الهلاك، ذلك ان الهلاك مشروط بعدم الغفلة أي بالتنبيه والايضاح وإقامة الحجة . والمسالة المهمة في هذه الاشارة القرانية هي ان المقصد الاساس من بعث الانبياء – الذي ذكر في بداية البحث – هو اخراج الناس جميعا من حالة الموت الأدبي التي تعيشها بعض المجتمعات، ومن حالة الرتابة والغفلة وغياب الوعي والعقل . فمهمة الأنبياء هي تحريك هذه المجتمعات الغافلة عن ظاهرة المنذرين والمصلحين، وبث حياة العلم والإدراك والمعرفة فيها، ولعل سبب وجود بعض المجتمعات النائية وبقائها، وعدم شمولها بقانون الهلاك والإهلاك لحد ألان، لعل سبب ذلك هو أنها تعيش حالة الغفلة وعدم الوضوح لكونها مجتمعات لم تمر بتجربة النبوة، ولا تزال تعيش التمشية والغفلة والبعد عن الرسالة والرسول والمرسل. وهناك تأكيدات قراني واضحة في آيات كثيرة، تشير إلى إن العذاب والهلاك لا يشملان القرى إلا بعد إن تكون الحجة قد تمت عليها، وبشكل جلي وواضح. فشرط تحقق العذاب ونزوله وشموله لاي وجود اجتماعي، هو ان تكون القرية مشمولة بقانون الرحمة الخاص والرعاية الربانية بارسال الرسل او الانبياء او المنذرين، ومرور هذا المجتمع بعملية التبليغ والبيان، وما يستتبعه ذلك من مواجهة وصراع وتصد للرسالة والرسول من قبل المترفين والملأ واصحاب المصالح، واصرار الانبياء والمنذرين والمصلحين ازاء ذلك، وصبرهم وتحملهم، حتى تقوم الحجة كاملة على تلك المجتمعات، وعندما تصر تلك المجتمعات على موقفها وسلوكها الخاطئ تنزع عنهم الرحمة الخاصة، وتوكل القرية الى عملها والى اثاره ونتائجه، فيكون قانون العمل هو الذي يحكم بهلاكها وموتها وتشتت قواها نتيجة لعملها . وتبقى هنا عدة اسئلة على هامش هذا الشرط في تحقق سنة الاهلاك والاضمحلال . فهل يعني هذا الشرط، ان القرية التي تعيش رذائل الاعمال، كالتي اشار اليها القران الكريم وجعلها من جملة اسباب هلاك القرى { بطرت معيشتها } او عمل قوم لوط، او طغيانها، أي ان العمل نفسه ليس سبباً للهلاك الا اذا اقترن بموقف كفران وجحود وتجر على الله، وعندها ستكون مستحقة للهلاك . وها يجرنا الى موضوع الخطأ غير المتعمد، وحديث الرفع وعدم البيان، ((رفع عن امتي .. وما لا يعلمون))، والى مبحث التجري، وكل هذه الابحاث تندرج في بحث الموقف الاخروي والحساب يوم القيامة، لكن موضوع بحثنا وميدانه هو في اثر العمل في الحياة الدنيا، وعلى صعيد المجتمع، وليس الفرد نفسه، فهل العمل نفسه لايعطي اثره الا اذا دخل في عنوان المعصية؟ واذا صح هذا التصور فينبغي ان ننظر الى قانون اثار الاعمال بلحاظ اخر، ومن زاوية ارتباط العمل بالعقيدة والتصور، مع إننا أثبتنا في بداية البحث ان الموقف العقائدي نفسه ليس هو السبب في هلاك القرى واندثارها، وانما السبب في ذلك هو الوضع السلوكي والاخلاقي، وطبيعة الارتباطات والنظام السائد اقتصادية وسياسياً، وفي هذا تناقض مع شرط قانون بعث الانبياء في هلاك القرى . ان الجواب على هذا الاشكال والتضاد الحاصل يكون كالاتي: ان موضوع العذاب هو غير موضوع الهلاك، فالعذاب موضعه ومحله في الاخرة وهو مسألة مرتبطة بقانون الطاعة والمعصية، ومن شؤون الحساب الفردي الذي كتبه الله وجعله على حساب الأعمال، وجعل الله شرط العذاب هو العلم والمعرفة، وان الجاهل معذور، وان العلم قد رفع عما لا يعلمون، وهذا داخل في مبحث التكليف وحقيقته وشروطه، والرفع الذي يشير اليه الحديث الشريف ( رفع عن امتي تسع .. ومنها ... ما لا يعلمون ) هل هو رفع للتكليف ام للجزاء، وما يرتبط بهذه الابحاث . ومن الايات الكريمة التي تشير الى ذلك قوله تعالى: { وكأين من قرية عتت عن امر ربها ورسله } "الطلاق/8" اما موضوع الهلاك فبحث يرتبط بما تصير اليه القرى والمجتمعات من مصير، وما تؤول اليه من واقع في الحياة الدنيا بسبب اعمالها واثار هذه الاعمال على هذا الوجود الاجتماعي ككل، وليس بلحاظ الوضع الفردي للانسان ومردود اعماله عليه في الاخرة، فالموضع مختلف، وهو هنا الجماعة والقرية والدول والنظام الاجتماعي لمجموع هؤلاء لافراد، وتفككه وانحلاله وتلاشيه ككيان بسبب اعمال العباد ككل، وبسبب الرأي العام السائد فيها، وليس بلحاظ هذا الفرد او ذاك، او هذه المجموعة الصغير او تلك، فالمدار على ما يصدق عليه الارادة الجماعية الغالبة لهذا الكيان الاجتماعي للقرية او الدولة او المجتمع، وقد تكون نهاية هذه القرية او الكيان الاجتماعي بالهلاك والانحلال والاندثار التدريجي، وهو الغالب، او يكون الهلاك والنهاية والتلاشي بسبب العذاب الالهي العام الذي يشمل القرية الظالمة والمتجاوزة للامر الالهي والمتحدية للفطرة، كما حدث لقوم نوح ولوط وثمود وغيرهم . واذا دققنا النظر في الايات القرانية نجد ان العذاب الاستئصالي الذي به تهلك هذه القرية او الكيان الاجتماعي، والذي يكون كرد فعل الهي ينزل على هذه الكيانات، مشروط ببعث الأنبياء ووجود المنذرين، وهنا يتحقق عنوانان أو عاملان لزوال القرى الظالمة التي عتت عن امر الله وكفرت بنعمته، فالعنوان الاول هو عنوان ما كسبت من عمل بسبب فعلها، والذي يحكم عليه بقانون الهلاك، كالبطر في النعمة، وكفران النعمة والنظام السياسي، وفي هذه الحالة تحكم هذه الظواهر المنحرفة على القرى بالاندثار والتفكك والموت والهلاك سواء أكانت مؤمنة ام كافرة. والعنوان الثاني او العامل الثاني الذي من الممكن ان يجتمع مع العامل الاول، هو بعث الانبياء والرسل، وموقف القرى الظالمة من الرسل، واصرار تلك القرى على السلوكيات المنحرفة من جهة، وعتوها وكفرها بالرسل وطردهم وابعادهم من جهة اخرى، مما يكون موجباً لنزول العذاب الالهي الذي يستاصل هذه الوجودات الاجتماعية المنحرفة ككل . ففي الحالة الثانية يجتمع عاملان هما انحراف القرى، وبعث الانبياء مما يؤدي بالقرى الى نهايتها وهلاكها بالعذاب الاستئصالي حسب هذين العاملين والقانونين . وبذلك يمكن حل الاشكال والتضاد الذي يتبادر الى الذهن . ان ملاحظة دقيقة للايات الكريمة التي تتحدث عن العذاب والهلاك تؤكد الحقيقة التي اشرنا اليها: { وان من قرية لا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة او معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا } "الاسراء/58".
الموقف من الرسول / أنباء القرى، وأنباء الرسل / يتحدث القران الكريم تحت عنوان (انباء الرسل) وكلك عنوان (انباء الرسل) عن اوضاع القرية في تراتيب فئاتها ومواقعهم الاجتماعية او الاقتصادية او الادارية، وعن موقفهم من الرسل والرسالة رفضاً او قبولاً او تصدياً لمواجهة الرسل، وطبيعة المواجهة في عملية الصراع والمواجهة هذه، والتي فيها مختلف انواع الايذاء والاهانة والعذاب الذي يواجه به الانبياء، وطبيعة المناقشات والحوار الذي يجري بين الانبياء وبين قادة المجتمع، عادة (الملأ) كما يعبر عنهم القران . ولعل (انباء الرسل) التي يشير اليها القران، تاخذ هذا الجانب، وهو جانب جهاد الانبياء ونضالهم وصبرهم وعنائهم في هذه المواجهة التي تشكل دروس عظيمة وكبيرة لكل المتصدين لحمل رسالة السماء والتكامل والهداية، ولعل تذكير القران الكريم للرسول بانباء الرسل وما عانوه من هذه المواجهة، اشارة مهمة لطيفة لاولئك السائرين الثائرين على طريق الانبياء من الامة والعلماء وقادة الجماعة الصالحة التي تحمل دور الهداية والتبليغ والارشاد في وسط البشرية، { وكلاً نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وكرى للمؤمنين } "هود/120" . ان اشارة (تثبيت الفؤاد) وما تحمله من معنى نفسي ومعنوي وطاقة روحية يحتاجها قادة التغيير مهما كانت درجاتهم، بسبب عظم عنائهم وشدة معاناتهم، وهي شاملة للرسول الأعظم ( صلى الله عليه واله وسلم ) ايضاً، فتعطي الاية الكريمة بذلك درساً كبيراً في اهمية البعد المعنوي والنفسي، كما ان قوله تعالى: { وجاءك في هذا الحق وموعظة } اشارة الى البعد الفكري والخبرة التي يمكن ان تكتسب من مهارة التعامل مع عملية التغيير والصراع الاجتماعي، والى الفائدة التي تستكشف من نتائج هذه المواجهة وظروفها وملابساتها . هذا ما يتعلق ب (انباء الرسل)، وهو الجانب الفاعل في عملية التبليغ والهداية، اما (انباء القرى) فيشمل جانب القابل، او مادة الفعل وموضوعه. وفي هذا الجانب نجد الكثير من القصص التي تتحدث عن مواقف القرى واهلها وتقسيمات القرية ومواقفها، ودور كل فئة فيها وطبيعة العلاقات التي تحكم مواقفهم من عملية الهداية والاصلاح، وطريقة حوارهم ورفضهم وطلباتهم، واخيراً كيفية مواجهتهم للرسول، وتعاملهم مع الرسالة، وطبيعة ظلمهم وشكل تجاوزهم وعنتهم، ثم طريقة هلاكهم، والقانون الذي يحكم عذابهم، وكل ذلك نجده في (انباء القرى) كما تشير الاية الكريمة الى ذلك ، لاحظ سورة هود في سردها لاحوال القرى ونهايتها بالامر الالهي ثم ختمها بقوله تعالى: {ذلك من انباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد } "هود/100"، و { وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد } "هود/102" ان هناك علاقة ترابط واضح بين بين انباء الرسل وبين انباء القرى، وهما موضوعان متكاملان بل موضوع واحد بلحاضين مختلفين، لحاظ الرسول وعملية التبليغ، ولحاظ الموضوع (المادة) أي الناس والامة والنظام الاجتماعي وموقفهم من عملية التبليغ والهداية . نحاول بعد ذلك استكشاف التقسيمات الاجتماعية في القرية وموقفها الرسالة والرسول والمرسل، حسب الاستعراض القراني لموقف هذه الفئات .
القرية باعتبارها تنظيما اجتماعياً مترابطاً، قد يختلف حجم هذا الوجود الاجتماعي، او درجة تعقيد نظامه حسب اختلاف القرى، وكما يشير القران الكريم: قرى ظاهرة، وقرى محصنة، وقرى باركنا فيها، وقرى عظيمة، وقرى اشد قوة، وقرى امنة مطمئنة .. وهكذا وفي كل تنظيم اجتماعي لابد ان يكون هناك موقع يشكل مصدراً للقرار وبه يحفظ وجود الجماعة، ويكون الحامي لها ولبقائها واستمرارها . ان هذا الموقع ساهمت في بلورته عوامل كثيرة وخلال زمن طويل، ومن هذه العوامل التي ابرزت موقع القيادة عامل النفوذ (القوة)، سواء اكان اقتصادياً ام معنوياً ام الدور الاجتماعي الذي تؤديه . ولعل ابرز موقع في هذا الوجود الاجتماعي والذي يحتل موقع الامر المطاع، وصاحب النفوذ والتاثير، هو موقع الحاكم واصحاب القرار واصحاب القدرة، والقران الكريم يطلق على هؤلاء عادة مسميات، وبتعبير ادق يشير اليهم من خلال عدة اوصاف، بعيداً من ابعاد وجودهم وحالتهم ومواقفهم من الرسول والرسالة والمرسل . ولعل ابرز الصفات التي يذكرها االقران الكريم بحق هذه الطبقة صاحبة القرار والنفوذ والتاثير والقدرة هي صفة (الترف)، فهم (المترفون)، وهي صفة ملازمة للملأ، وهم علية القوم الذين يجلبون اليهم الأنظار بما يملكون من قوة وبهاء وجلال، { وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون } "سبأ/34" وهؤلاء المترفون يشكلون قادة المواجهة الباطلة، فهم الكافرون الرافضون لرسالات الاصلاح، وهم المستكبرون الذين يملكون من قوة وقدرة، ويعيشون حالة الغرور المصاحبة لهم، فيتكبرون على الله ، وبذلك أصبحت قلوبهم غلفاً ومطبوعاً عليها، كما تشير الآيات . وهم المتحجرون الذين لا يفكرون، وهم المقلدون، والسائرون بدون وعي ونهم على مسرة الإباء والأجداد، ويدعون في الوقت نفسه الأصالة، ويحتمون بالتاريخ، ويحتجون بالزمن والعرف أو التراث السحيق، ويتحكمون لما هو كائن وموجود، لا لما هو حق وصحيح، { انا وجدنا آباءنا على امة وانا على اثرهم مهتدون } "الزخرف/22"، ومجمع هذه الصفات: الملأ، المستكبرون، المترفون، اولو النعمة . ولمواقفهم المتحجرة: { انا وجدنا اباءنا على امة وانا على اثرهم مهتدون }، { الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد } "الفجر/11-12" { امرنا مترفيها ففسقوا فيها } "الإسراء/16"، نجد ان هؤلاء الذين يشكلون الموقع الاول في الهرم الاجتماعي، وهم القلة، اصحاب القرار، أي انهم فراعنة المجتمع، يرفضون رسل الهداية، ويحتجون بالماضي، ويحتمون بتراث الاباء. اما لماذا يقفون هذا الموقف؟ وما اسباب ذلك؟ وما هو القانون الذي يحكم هذه الظاهرة وهذه الفئة ومواقفها فان نظرية المثل الأعلى، التي يطرحها السيد الشهيد الصدر، وحركة المجتمع عبر أنواع المثل الأعلى، يمكن ان تشكل اطاراً نظرياً لتفسير ذلك، وللاجابة عن تلك التساؤلات المتعلقة بالملأ ومواقفهم. فهو – قدس سره – يشير الى ان حالة جمود التقليد في المجتمعات ترجع الى اسباب عديدة يمكن تلخيصها بأمرين: أ- الألفة والعادة والكسل، وهي ظاهرة إنسانية، وقانون عادة الإنسان، وهي التي تجعل الكثير من سلوك الإنسان يتحول إلى شكل عادة وروتين أو تقليد. ب- جمود المثل الأعلى، أي بقاء الحال على ما هو عليه، ويكمن سبب هذا الجمود في فقدان فاعلية المثل بسبب ما اعطاه من زخم وتضييق وحصر16، وما أدى إليه دور في الحركة، لتحول المثل الى فرعون. ثم يأتي موقع القاعدة العريضة من الناس، تلك القاعدة التي تشكل الارضية المناسبة لإنبات جماعة الملأ والمترفين في القرية، وتشكل التكأة التي يتكئ عليها أولائك المجرمون الاكابر، وهم يحدون بمسيرتها ويقودونها نحو الهاوية والهلاك والدثور . والعلاقة بين الملأ وبين الاتباع، في الحياة الدنيا، علاقة الانقياد الاعمى لأولئك الملأ، والطاعة والإذعان،وكل ذلك يتم في غفلة من الطرفين، لما ستؤول اليه مسيرتهم، او يجري ذلك نتيجة الاطماع العاجلة، او نتيجة الارهاب الذي يمارسه الزعماء على اتباعهم، او لشيوع الرذيلة المؤدي الى الخور وضعف الهمم . على ان النتيجة في كل ذلك واحدة، لا تتغير، وهي الانحدار والهبوط، ثم الارتطام بالقاع السحيق، ثم الزوال والهلاك، يتضح ذلك عند التامل في الايات: { واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } "الاسراء/16"، { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ائنٍ لنا لاجراً ان كنا نحن الغالبين قال نعم وانكم اذاً لمن المقربين } "الشعراء/41-42"، { وانطلق الملأ منهم ان مشوا واصبروا على الهتكم ان هذا لشيء يراد } "ص/6" .
____________________________ 16 يراجع بحث (الحركة في المجتمع) /د.همام حمودي .
وفي غيرها من الاي الكريم . غير ان القران الكريم يعرض تلك العلاقة بين الملأ وبين الاتباع من الجانب الاخر غير المنظور لحد الان، فيتحدث في الايات اخر عن ذلك في يوم القيامة، ويصور للناظرين كيف تستحيل تلك العلاقة الحميمة الى جدال ونزاع وخصام وتلاعن، وذلك حين يجد الجد وتتكشف عواقب الامور وحقائقها، { هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم انهم صالوا النار، قالوا بل انتم لا مرحباً بكم انتم قدمتموه لنا فبئس القرار، قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار } "ص/59-61" . { واذا رأ الذين اشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فالقوا اليهم القول انكم لكاذبون } "النحل/86" . ولا ينهي ذلك الجدال المرير فيما بينهم، الا ذلك الغم والكمد الذي يغمرهم جميعاً ويلجم أفواههم فينكفئون على أنفسهم، لما يشاهدونه من الهول، ولما يلقونه من العذاب . وبعرض القران الكريم النصف الاخر المكمل للصورة، صورة القرية اللاهية في الحياة الدنيا، بملئها وباتباعهم، ثم صورة كل اولئك وهم في سواء الجحيم يوم القيامة، يتضح انهما هلاكان، يصيبان القرية جراء سوء اختيارها. الهلاك في الدنيا، الذي تشير اليه ايات القران الكريم المتحدثة عن ذلك، والذي يتنوع بحسب تنوع الاختيارات السيئة لتلك القرى، وبحسب الاستحقاقات العادلة المترتبة على اعمالها، { وكم اهلكنا من فرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم لا قليلاً وكنا نحن الوارثين } "القصص/58". والهلاك الاكبر في الاخرة الذي ينتظرهم هناك، ليحط بهم، ويغشاهم في { نار الله الموقودة } "الهمزة/6" .
القرية كيان سياسي ينظم المجتمع وفقاً لاطر تختلف باختلاف خيارات تلك التجمعات البشرية. وتلك الاطر تتصل بقضايا المعتقدات والتصورات والمصالح، التي تشكل بصورة من الصور عوامل مهمة في انبثاق تلك البنى الاجتماعية المتجهة، التي يطلق عليها القران الكريم تسمية (القرى) . والقرية في القران الكريم تستوعب كل اشكالها المتاحة لها، وفقاً للمنظور الذي ينظر من خلاله اليها . فهي قرية ظاهرة، بالنظر الى عمرانها ونموها . وهي قرية محصنة، نظراً لطبيعة الحماية الامنية فيها . وهي قرية راغدة بسبب المستوى الاقتصادي المتقدم الذي تعيشه . وتلك كلها اشارات الى عوامل القوة في القرة في القرى التي تشتمل على تلك العوامل .
ثم هي بعد ذلك، قرية خاوية، تعرضت للخراب وللهلاك بسبب استنفاذها مدتها، او بسبب نزول العذاب عليها لاختياراتها الخاطئة . وتتفاوت القرى في درجة اهميتها ومدى تاثيرها، فهناك قرى رئيسية، تحتل الموقع الاول بين القرى، وتكتسب اهميتها البارزة من عوامل فكرية او اقتصادية او اجتماعية او سياسية، تمكنها من التاثير المباشر أو غير المباشر فيما سواها من القرى الصغيرة او التابعة التي تحتل الموقع الثاني. ويسمي القران الكريم تلك القرية الكبيرة ات التاثير المتعدد الجوانب على غيرها من القرى، يسميها ب(ام القرى) . وتتعرض القرى عموماً، في مسارها الحيوي وفي مراحلها وادوارها الى عوامل قوة، والى عوارض ضعف، شأنها في ذلك شأن كل كائن حين وكل ذلك محكوم بسنن الهية صارمة، لكنها عادلة، لا تتخلف، بل تتحقق باطراد متى توفرت دواعي تحققها، ومقتضيات ذلك التحقق واسبابه . فهي – أي القرية – مظنة للرحمة الالهية المتمثلة في خلقها وايجادها تكويناً . ثم هي مظنة لتلك الرحمة الالهية عند بعث الانبياء والمرسلين إليها لهدايتها تشريعاً، وذلك وفقاً للسنة الالهية القضية ببعث الانبياء والنذر، { وان من امة الا خلا فيها نذير } "فاطر/24" . وتهتز صورة المعبودات الباطلة في القرى التي تتخذ تلك المعبودات آلهة لها، عند ارسال الانبياء والرسل إليها، فينشأ الصراع الذي يقوده على الجانب الاخر، الملأ المستكبرون، بازاء الرسالة الإلهية القادمة اليهم، ويقف وراء أولئك الملأ الكثير من الاتباع المغرر بهم أو المغلوبين على امرهم أو الذين نُكسوا على رؤوسهم . فإذا استمر هذا الصراع واستحر، فان القرية بعملها هذا ستخرج من مجال قانون الرحمة الإلهية، وتدخل في مجال قانون العذاب والهلاك، مما يحتم على الانبياء مغادرتها والخروج منها بامر الله سبحانه . وفي حالات اخرى يقوم اهل القرى بطرد انبيائهم واخراجهم منها . وعند ذلك تكون القرية مستأهلة لنزول العذاب والهلاك فيها . ويتحدث القران الكريم في اسباب هلاك القرى، فهو يشير الى الظلم والبطر والترف والانحراف الاخلاقي والخروج عن امر الله واخراج الانبياء من القرىن كاسباب تؤدي الى الهلاك المحتوم . اما شرط الهلاك أو الاهلاك النازل بالقرية، فهو البيان واقامة الحجة عليها . فلا استحقاق للعذاب والهلاك قبل إرسال الرسل وبعث الانبياء مبشرين ومنذرين، { وما اهلكنا من قرية إلا لها منذرون } "الشعراء/208" . وفي مقابل قانون الهلاك والاهلاك، يلوح القران الكريم ويصرح بقانون اخر يحكم حياة القرية، ان هي اختارت الاهتداء بهدى الله ، واتبعت أنبياءه، واستقامت على طريقه، وذلك هو قانون البركة، الذي يستتبع النماء والرخاء والامن والطمانينة والعيش الكريم . ونلاحظ ان في قانون الهلاك تكون النتائج مساوية للعمل، { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون } "الانعام/160"، يستوي ذلك في الافراد والجماعات . اما في قانون البركة فان النتائج تفوق العمل ويضاف إليها أضعاف مضاعفة من العطاء والخير والعوائد الاخرى، وهو ما يسميه القران الكريم (بركات)، وهي { بركات من السماء والارض } . “الأعراف/96”. ومن مصاديق هذا القانون في حياة الناس : الصدقة: { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله اجر كريم } "الحديد/11". والحسنة: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } "الانعام/160"، { والله يضاعف لمن يشاء } "البقرة/261"، والعمل الصالح { الا الذين امنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون } "التين/6"، { ومن عمل صالحاً من ذكر وانثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجراً بأحسن ما كانوا يعملون } "النحل/97" . اما مكونات القرى من البشر، فهم الملأ المستكبرون، ثم الأتباع، وكلا الطرفين مسئول بشل مباشر عن خياراته الصالحة أو الطالحة، والتي ستؤول بالنتيجة الى الحياة الصالحة، أو الى الضنك والهلاك . والمسؤولية هنا مشتركة بينهما في الحياة الدنيا، ذلك ان واقعهم ونوع معيشتهم ونمط حياتهم، هو اختيارهم، وكسبهم، وعقبى اعمالهم، فلا ظلم ولا تطفيف، وانما هي سنة العدل الالهي تجري على الناس بغض النظر عن المكان والزمان .. { سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } "الاحزاب/62" . |