|
في القرآن الكريم
المقدمة القرآن الكريم، باعتباره كتاب رسالة اصلاحية للعالم، يستهدف الناس، والبشر بما هم بشر، والانسان بما هو انسان، اينما كان، واينما حل، وفي أي زمان كان او يكون، القرآن بهذا المنظار ووفق هذا المعيار تصبح الكلمة فيه والجملة، والمقطع، لها اكثر من اعتبار وتحسب باكثر من حيثية، وذلك بسبب عظمة الهدف، وسعة المخاطب، وخصوصية المخاطِب في القرآن الكريم (خطاب الله) وهو الله سبحانه وتعالى وتجلت صفاته وعظمته. وفق هذه المعطيات كلها، وبأبعادها العميقة المختلفة، التي تفترض ان لا مجال للتكرار او التطويل، او الحشو، والتزويق، فيه وفي كل كلماته، ومقاطعه، وفي اسلوبه ونهجه عُمقاً فكرياً، او نظرياً، او اشارة او اية، او توجيهاً، او فائدة، وبحرص القرآن الكريم ان يستفيد من كل هذه العوامل الفكرية او الادبية او البلاغية، او الخطابية او النفسية، من اجل تحقيق هدف القرآن ورسالته ومراعية (في صلاح الانسان، والناس)، عبر المجتمعات والحضارات المختلفة والازمان المتعددة . ان القصص تشكل ظاهرة في القرآن الكريم، ويشكل تكرار هذا المصطلح وحرص القرآن على وصفه باحسن القصص، وافتخار القرآن وتميزه بخصوصية الدقة في عرضه للقصص، ونجده بتكرار عرض قصص الاقوام والانبياء، وحرصه على ذكرهم ولو بالاشارة الى اسمائهم، اوصافهم، او اهم الاحداث التي مروا بها. ان هذه الظاهرة (القصص) والاشارة اليها كامتياز، تحتاج الى وقفة ودراسة وتمعن في دور القصة في العملية التغييرية، واي نوع من القصص، وما المقصود بالقصة في المصطلح القرآني وهل ما فيه ذكره من قصص يعود الى صيغة او حالة واحدة، تشترك مع ما هو متداول عند الادباء، والكتاب ام ان مصطلح القصص القرآن له مدلول آخر يعني ما تم تسجيله من احداث وتاريخ، وشكل وثائقي. واذا افترضنا ان الاسلوب القصصي، له ذلك التأثير في نفوس وعقول اولئك الناس، فهل يلزم ان يكون مثل ذلك التأثير للقصص في حياة البشرية مستمراً طوال عمرها الزمني، واذا كان القصص مؤثراً في المجتمع العربي وتميز حضارته بمهارة اللغة وحضارة اللغة والكلام والادب والشعر، فهل الاسلوب القصصي مؤثر في اتباع الحضارات الاخرى.
سوف يتناول بحثنا المصطلح (القصص) لغةً، ونستعرض طريقة الاستعمال القرآني له، والمجالات التي استعملها القرآن الكريم في تناوله لهذا المصطلح وفي الختام نجري مقارنة ما بين الاستعمال القرآني وما هو جارٍ في ثقافتنا المعاصرة، وتلخيصاً لما ورد من بحث. وما تميز به بحث هذا المصطلح "القصص" اجراء عملية احصائية لما ذكر من "انباء" "الانبياء" واخبار "القرى" و"الاحداث" وعدد تكرارها، ورسم خريطة جغرافية توضح الاماكن التي تم تناولها في القرآن الكريم، واستنطاق الاجواء والمعلومات والثقافات التي تعامل معها القرآن الكريم، وتعرض لها وتمثل البيئة الفكرية التي تعامل معها القرآن الكريم والتي تميزت فيه بمحدودية المعلومات التي تمتلكها امة العرب على خلاف امة بني اسرائيل التي تعيش معهم وسعة معلوماتهم في مواضيع الانبياء وتاريخهم. وهنا يمكن ان نسجل ظاهرة صراع الحضارات والتنافس ما بين المجتمعات المتدينة في موضوع الثقافة الدينية ومعيار هذا التفاضل ومجاله. يمكن ان يكون ايضاً موضوعاً ـ مستقلاً للبحث ـ، ويساهم هذا الاستعراض في رسم الواقع الثقافي الذي نزل فيه القرآن وتعامل معه ويساعد في ادراك الاجواء الفكرية للآيات، والاحداث، والقيم، والمناهج التي استطاع القرآن ان يغيرها او يحدثها او ينشئها في البيئة العربية، وتأثيراتها المتبادلة مع ثقافة العرب والاقوام والاديان الساندة في عصر النـزول.
قصص: القَصُّ تتبع الاثر، يقال قصصتُ أثَرَه والقَصَصُ الأثرُ {فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)}"الكهف" {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ (11)}"القصص". ومنه قيل لما يبقى من الكلأ فيتبع أثَرُهُ "قصِصٌ وقصصت طُفره. والقصَصُ الاخبار المتتبعة {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) }"يوسف". والقِصاص تتُّبع الدم بالقوَدَ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ(179)}"البقرة" {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ(45)}"المائدة". قصَ فلانٌ فلاناً، وضربه ضرباً فاقص أي ادناه من الموت والقصّ.[1] يبدو ان قَصّ يقص قصصاً، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم تعنى اكثر مما هو مدلول عندنا اصطلاحاً في اختصاصها بموضع القصص او سلسلة الاحداث التاريخية او ما هو متعارف في باب القصص الادبية عادة، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) }"يوسف"، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (111)}"يوسف". القرآن الكريم يستخدم هذا المصطلح بشكل اوسع يشمل بالاضافة الى المتعارف من القصص الطوال كقصة يوسف، وموسى، يشمل انباء واخبار الانبياء واخبار القرى والمجتمعات، وقد يرد في باب المثل، او الاشارة والعبرة في ذكر اخبار المناطق والاقوام {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ}"النساء" . كما يستخدم القرآن هذا المصطلح (قص) في ذكر وتتبع نزول الآيات المتعلقة بالاحكام، والعقائد. {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)}"الانعام" {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي (130)}"الانعام" {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ (118)}"النحل" {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (76)}"النمل" الا ان من المهم الاشارة ايضاً الى ان الاستعمال الاكثر في القرآن الكريم لمصطلح "القصص" بتناول قصص الانبياء واخبار السابقين وانباء القرى. راجع الاستعمال القرآني للمصطلح (ص18 الى نهاية البحث).
الاستعمالات القرآنية لمصطلح القصص عدد الآيات التي ورد فيها ذكر المصطلح (كثيرة) وعند مراجعتها يمكن تقسيمها الى هذه المجاميع بحسب موضوعاتها: المجموعة الاولى/ قصص الرسل: الآيات: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78)} "غافر" {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ (164)}"النساء" {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) }"هود" {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (111)}"يوسف". وهذه المجموعة تتركز على قصص الرسل والانبياء، وتأكيد القرآن الكريم على انه تفضل على صاحب الرسالة ان جعله محيطاً باحوال الانبياء السابقين ومجريات اخبارهم وسيرهم وفي هذا الموضوع هناك اشارتان قرآنيتان: الاشارة الاولى: ان غاية سرد قصص الانبياء وهدفها في القرآن الكريم، وكما يذكر القرآن الكريم هي دعم للرسول محمد في حركته، وجهاده وتثبيت لقلبه في هذه المواجهات العسيرة والصعبة والكبيرة، في مواجهة لاهله واقربائه وعنادهم وجحودهم، انه تثبيت للرسول خصيصاً {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) }"هود" وهذه اشارة مهمة في الرعاية الربانية لرسول الله وتثبيته إياه من خلال الافادة من هداهم في الصبر سيرة السابقين من الانبياء، الصبر والتحمل وادارة ازمات الدعوات والمواجهة. كما اشارت الآية الكريمة {فبهداهم اقتده..} ومن هذه الاشارة نقدر دور قصص الانباء في ترشيد حياة المواجهة والكفاح. الاشارة الثانية: ان ما تم ذكره من قصص الانبياء، لا يمثل كل الانباء في التاريخ، وفي كل العالم بل هذه نفحة من سيرهم، وصورة من حياتهم، وهناك انباء كثر شاء الله ان يجعل حياتهم وذكراهم موضع بحث انساني تقديراً لايمانهم، وفي هذا دعوة للتعرف والبحث عن قصصهم غير المذكورة في كتابه الكريم. المجموعة الثانية/ قصص القرى وانبائها: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا (101)} "الاعراف" {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ(99) } "طه" {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)}"هود" المعروض في هذه المجموعة ما تناوله القرآن الكريم من قصص الاقوام والحضارات والثقافات الاخرى، والاشارة الى القرى، هو ما يقارب عندنا الاشارة الى الدول والحضارات البائدة [راجع بحثنا عن القرى ـ العدد الاول]. الاشارة القرآنية في هذه المجموعة ان هذه القرى او المجموعات الحضارية بعضها قائم فعلاً بكياناتها أو بآثارها الحضارية، وبعضها زائل لم يبق منه أثر، لكنه باقٍ في الذاكرة {منها قائم وحصيد} المجموعة الثالثة/ {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) }"يوسف". {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) }"الاعراف" {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ (62)}"آل عمران" {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)}"الاعراف" هذه المجموعة من الآيات الكريمة تصف القصص القرآنية بصفات معينة تأكيداً على معايير وخصوصيات فيها وبمجموعها تريد ان ترسل رسالة تؤكد فيها صحة الاخبار ودقة الانباء فيها، وبمجموعها تعتبر احسن القصص، واحسنيتها تعود لواقعيتها، لعمق ما تحمله من قيم وقواعد، ولجمال صياغتها، ان كل هذه الخصوصيات تدعو الى اعتماد القصص القرآني اولاً والى التعمق فيها، لان فيها ما يبقيها من دروس وعبر للحياة. المجموعة الرابعة/ {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ (118)}"النحل" {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)}"الانعام" {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (76)}"النمل" {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي (130)}"الانعام" {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي (130)}"الانعام" هذه المجموعة من الآيات تعرض نوعاً آخر من منهج تتبع ذكر الامور وبحثها، وهي مجموعة لا تعرض للاحداث والانباء والاخبار، للانبياء أو القرى، وانما تعرض للاحكام، والتعليمات، والقضاء، والآيات والعقائد. يبقى السؤال ما هي الحكمة في عرض هذه الامور وهي قضايا لا تتعلق بالصيغة والمنهج القصصي الادبي المتعارف، ويطرحها بعنوان قصَ، يقصُ يقصون قد يكون المقصود فيها الاشارة الى عرضه لهذه المواضيع المهمة بتتابع وتدرج وتفصيل ودقة وذلك نستشفه من مصطلح قص يقصون، على خلاف ما هو متداول ومتعارف في مدلول هذا المصطلح اليوم. المجموعة الخامسة/ { فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ (25) } "القصص" { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ (5)} "يوسف" { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)}"الكهف" {فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)}"الكهف" {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ (11)}"القصص". هذه المجموعة تتحدث عن قصص لحالات خاصة، وسرد لحديث او موضوع بين طرفين، او في قضية جزئية محددة، كما هو الحال في قصة موسى مع شعيب، او يوسف مع ابيه، او قصة الكهف، او تبع اخت موسى لاخيها. فهي مواضيع متناثرة طرحها القرآن في صيغة القصص او ذكر للحادثة وتوثيقها.
{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)}"طه" في القرآن الكريم كما تشير الآية الكريمة عطاءان في طريق واحد ورافدان، لنهر واحد، ووجهان لموضوع واحد، الا وهما : قصص السابقين: بما يشمل الانبياء، ومواقف القرى والمجتمعات، واحداث جهاد المصلحين، وصبرهم، وعنانهم في مقابل عناد المجتمعات، وطغيان حكامهم وهلاكهم بسببهم. اما الصفحة والرافد الثاني والوجه الاخر فيمثل الرؤية العقائدية والكونية، والقيمية لهذا المنهج الالهي والرسالة الربانية. ان الآية الكريمة تجمع بين هذين الامرين، وتقرر بذلك منهجاً متميزاً للقرآن الكريم هذا المنهج القرآني يؤكد ان الهدى الذي يريده للبشرية جمعاء {هدى للناس} وان بناء قيم المجتمع الالهي للحياة السعيدة، يستند على ركيزتين وامرين وقاعدتين تتمثل بسرد القيم والرؤى من خلال حركة هذا المجتمع وهذه القيم وصراعها ونظامها في مواجهة دعوة المجتمعات والجماعات الضالة، واصلاحها واعمارها. فالعقائد والرؤى والقيم لا تطرح بصيغة نظرية جامدة، ولا تذكر القصص ولا تتبع احداث التاريخ والمجتمعات بعيدة عن واقع الصراع العقائدي، وانما هي قصة واحدة وسجل مترابط، ويحدثنا عن واقع صراع قسم من ناحية التوحيد من اجل مجتمع يعيش التكامل والسعادة ويكون مجتمعاً معطاءاً. هذه خصوصية قرآنية متميزة، وصلة مهمة حمل القرآن بين دفتيه وفي جعبته الامرين معاً العقائد والقيم من جهة وفي عرضه للقيم والعقائد يسجل المصلحين وابنائهم ودوافع المجتمعات والحضارات واخبارها ويرسم برشيته الجميلة الواناً واصداء وصفحات مسيرة الايمان وحركة التوحيد في الارض.
{انباء ما قد سبق} مصطلح قرآني تكرر ذكره في القرآن الكريم فيه اشارة الى اخبار الماضين من الحضارات والمجتمعات وموقفها من الانبياء السابقين. ويمكن ان نجعل الظاهرة واضحة في الكتاب الكريم في تكراره لذكر {انباء ما قد سبق} بشقيها: أـ ذكر الانبياء والمصلحين ب ـ ذكر القرى والمجتمعات السابقة التي واجهت الانبياء. ولو تصفحنا الكتاب الكريم وبشكل عشوائي وبتكرار لعشرة مرات فسوف نجد ان 6ـ7 مرات من فتحنا للكتاب قد ورد فيه ذكر {لانباء ما قد سبق} سواء بذكر الانبياء، او ذكر القرى والمجتمعات الظالمة للانبياء. مسجلاً بذلك حوارهم وصدودهم ، كما اشرنا الى ذلك. {انباء ما قدس سبق اسلوب دائم} القرآن الكريم في فصليه "المكي" و"المدني" نتلمس بوضوح ظاهرة {انباء ما قد سبق} سواء بذكر انبياء اخرين، او تكرار ذكر من ذكر ولكن بلحاظ اخر او بتركيز على مواضيع مختلفة. وان استمرار المنهج القرآني في متابعة {انباء ما قد سبق} سواء في المكي او المدني مع اختلاف الاجواء والظروف وتبدل الاوضاع من حالة الصبر والتحمل لتعذيب قريش وجحودها، ودور {انباء ما قد سبق} في تعزيز المعنويات من الصبر والتحمل، وفي تقوية سلوك الجماعة الصالحة المضطهدة على يد كبار قريش او كما تم ذكره في القرآن المدني ومتابعته قيام المجتمع الاسلامي وتحكم الاسلام بقيادة الرسول امور المدينة المنورة ورسم مسارها وادارتها وتحديد علاقاتها مع المجتمعات الاخرى، نجد القرآن ايضاً يهتم {بانباء ما قد سبق} في تعزيز بناء الدولة وتماسكها وقوتها وحفظ معنويات مواطنيها. ان استمرار اعتماد الاسلوب القرآني {في ذكر انباء ما قد سبق} يؤكد اهمية هذا الاسلوب والمنهج في مختلف مسارات حركة التوحيد، والايمان، وفي كل احوالها ومراحلها، مرحلة بدء الفكرة ومرحلة المواجهة، او الهجرة، او بناء الدولة، والانتشار، او في متابعة امراض المجتمع الجديد كالنفاق او الارتداد عن القيادة النبوية في غيبتها. القرآن الكريم تكفل باسلوبه المتميز والمشحون ايماناً وعاطفة وفكراً ان يدعم في كل المراحل السابقة عملية البناء من خلال التركيز على {انباء ما قد سبق} تفصيلاً وتكراراً.
دراسات احصائية لظاهرة القصص القرآنية: عند الرجوع الى الكتاب الكريم نجد ان من بين 114 سورة هناك ما يزيد على 22 سورة منها تذكر {انباء ما قد سبق}، من ذكر للانباء والمناطق والجماعات المختلفة ويمكن قياس مدى تأثير {انباء ما قد سبق} في عملية البناء من حجم الآيات والسور الواردة بالموضوع. ان اكثر اسماء السور المسماة باسماء الانبياء وما يرتبط بـ{انباء ما قد سبق} كان اكثرها مكياً، ما عدا 3 او 4 سور ، فانها مدنية وتتعلق بالمواجهة التي عاشتها الرسالة في المدنية مع اليهود بني اسرائيل واطيافهم، سجلتها لنا سورة البقرة، او مع القسم الاخر من اهل الكتاب وهم النصارى وسجلتها لنا سورة آل عمران.
اسماء السور المرتبطة بـ{انباء ما قد سبق} واسماء السور المرتبطة بالاحداث والانبياء عموماً . [ سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة التوبة، سورة هود، سورة يوسف، سورة إبراهيم، سورة الإسراء، سورة الكهف، سورة مريم، سورة طه، سورة الأنبياء، سورة النمل، سورة القصص، سورة الروم، سورة لقمان، سورة الأحزاب، سورة سبأ، سورة الأحقاف، سورة محمد، سورة الحجرات، سورة نوح، سورة عبس، سورة الفيل، سورة قريش، سورة الكوثر، سورة الكافرون، سورة النصر] من هذا الجدول يتبين ما يلي: ان عدد السور المكية: 19 ان عدد السور باسماء الانبياء: 7 ان عدد السور المدنية: 6 ان عدد السور التي تناولت احداثاً: 12 ان عدد السور التي تناولت اشخاصاً غير الانبياء: 2 ملاحظة: هناك سور تعرضت لذكر الانبياء او انباء القرى لكن لم تُسمَ باسم نبي او حدث تاريخي مثل سورة الشمس. عدد الآيات المكية : 4475 عدد الآيات المدنية: 1716 فالفرق بينهما كبير وبمقدار 3 اضعاف كما ان السور المكية تُعدّ آياتها، اكثر من الآيات المدنية، وهذا شاهد آخر على اهتمام القرآن بالانباء والاحداث وتسجيل الصراع من اجل تحقيق كلمة التوحيد على الارض.
جدول رقم 2 عدد مرات ذكر اسماء كل نبي في القرآن الكريم، او الاشارة اليه بالضمير والصفة، وهنا نسجل ملاحظة اننا مع مراجعتنا لكثير من الفهارس القرآنية وجدنا اختلافاً بسيطاً في الارقام قد يكون السبب في حساب الضمير المشير الى النبي او عدم حسابه، والاختلاف في الارقام ليس واسعاً. [ادم 22 ـ نوح 47 ـ ادريس 4 ـ ابراهيم69ـ اسماعيل 12 ـ اسحاق 17 ـ يعقوب16ـ يوسف24 ـ لوط 27 ـ هود42 ـ صالح 4 ـ شعيب10/11 ـ موسى 131 ـ هارون19 ـ داود16 ـ سليمان 17 ـ ايوب4 ـ ذو الكفل2/6 ـ يونس 6 ـ الياس2 ـ المسيح "يسوع" عيسى2، 25/22ـ زكريا 7 ـ يحيى5 ـ محمد4].
جدول رقم 3: اسماء الاماكن والاقوام في القرآن الكريم كما ورد ذكر السابقين من غير الانبياء ويمكن ملاحظة هذا الجدول: [فرعون74 ـ هارون4 ـ جالوت3 ـ الكهف6 ـ مريم 34 ـ آسيا ـ إرم ـ سبأـ مصرـ القدس ـ يأجوج مأجوج ـ لقمان ـ تبع ].
جدول اسماء الاماكن والمناطق: [1ـ بكة، 2ـ مدينة، 3ـ بدر، 4ـ حنين، 5ـ جمع، 6ـ المشعر الحرام، 7ـ جمع (اسم ما بين عرفات ومزدلفة)، 8ـ مصر ، 9ـ بابل، 10ـ الايكة، 11ـ طوى "اسم وادٍ"، 12ـ كهف، 13ـ رقيم وادٍ / جنوب فلسطين، 14ـ العرم اسم وادٍ، 15ـ حرد صريم في اليمن، 16ـ ق جبل يحيط بالارض، 17ـ جرز اسم ارض ومنطقة، 18ـ فلسطين (الاقصى وما حوله)، 19ـ حجر مناطق في الشام، 20ـ الاحقاف جبل عمان وحضر موت، 21ـ طور سيناء جبل في سيناء، 22ـ جودي جبل في الجزيرة].
اسماء القبائل والاقوام: [1ـ ياجوج مأجوج، 2ـ عاد، 3ـ ثمود، 4ـ مَدين، 5ـ قريش، 6ـ روم، 7ـ قوم نوح، 8ـ قوم لوط، 9ـ قوم تبع، 10ـ قوم ابراهيم، 11ـ اصحاب الايكة "مدين"، 12ـ اصحاب الرَس / باقي ثمود، من جماعة ما سبق/ او قوم شعيب، 13ـ اصحاب الاخدود / او الاخدود]. اسماء منسوبة الى الاماكن [1ـ الامي، نسبة لام القرى، 2ـ عبقري، نسبة الى وادي الجن، 3ـ سامري نسبة لمدينة السامرة، 4ـ عربي لعرب ذرية اسماعيل].
كنى والقاب [اسرائيل عبد الله ـ مسيح صديق ـ الياس لقب ادريس ـ ذو الكفل لقب الياس، لقب يسوع، او لقب يوشع، او زكريا ـ نوح اسمه عبد الغفار، لقد كان يكني على نفسه في طاعة الله ـ ذو القرنين لقب الاسكندر ـ فرعون لقب حاكم مصر ـ تبع اسم اسعد الكلي، لكثرة الاتباع/ او لقب حكام اليمن]. اسماء الصحابة زيد اسماء اعداء ابو لهب اسماء انصار الانبياء [اسماء المتعلقين بالانبياء] [1ـ عمران ابو مريم وابو موسى، 2ـ هارون اخو موسى، 3ـ عزير، 4ـ لقمان، 5ـ مريم، 6ـ زوجة فرعون، 7ـ رجل "مؤمن آل فرعون" (حبيب النجار)]. شخصيات نسوية أـ النساء المذكورات: [1ـ مريم، 2ـ زوجة فرعون، 3ـ اخت موسى، 4ـ ام موسى، 5ـ ام مريم"امرأة عمران"، 6ـ تجادل في زوجها، خولة، 7ـ زوجات النبي (حفصة وعائشة)، 8ـ ملكة سبأ، 9ـ امرأة العزيز، 10ـ بنات شعيب، 11ـ زوجة موسى، 12ـ هاجر (وصفت) زوجة ابراهيم، 13ـ زوجة ابراهيم الثانية، 14ـ امهات المؤمنين، 15ـ زوجة ادم/ حواء (اشارة)، 16ـ زوجة زكريا، 17ـ زوجة ابراهيم (ام اسحاق)، 18ـ نسوة المدينة، 19ـ ناقضة الغزل]. ب ـ اخريات: [1ـ زوجة ابي لهب، حمالة الحطب، 2ـ امرأة نوح، 3ـ امرأة لوط]. اسماء الكفار [1ـ قارون، 2ـ جالوت، 3ـ هامان، 4ـ ازر، عم ابراهيم]. ان هذه الاحصائية تؤكد اهمية دور القصة والاشخاص الابطال واخبار الصراع وانباء التحدي والصبر في بناء الجماعة الصالحة المحاصرة والمضطهدة وقيام الكيانات الجديدة وخاصة في الشؤون الآتية: الاول: في التعريف بالرؤى والمفاهيم والافكار والمتبنيات الفكرية والفلسفية للجماعة الجديدة . الثاني: في البعد النفسي والتعبوي لهذه الافكار والطروحات وقيمها الجديدة ودورها في تحقيق الانتصار في الصراع والمواجهة. الثالث: تأكيد ان فكرة التوحيد والايمان ليست بدعاً من الافكار وانما محور الصراع البشري في سجله التأريخي يدور مدار رسالة التوحيد وقيمها وحدودها. مما يوحي للمسلم ان التاريخ معه ويسير بجنبه داعماً له وان حركة التوحيد عميقة الجذور في حياة الانسان وليست طارئة على مسيرته وان بدت في بعض الاوقات والاحوال ضعيفة او حالة خاصة ومنكرة. فانها حالة شاذة وستعود حركة الانسان تسير كما بدأت على يد آدم ونوح وفق مسيرة التوحيد، قوية مقتدرة كما هو حالها وواقعها تمثل فطرة الانسان ومسيرة التاريخ. من الجدير ذكره ان القرآن سمى بعض سوره باسماء الاحداث الجارية والواقعة وليست هي من انباء ما قد سبق، ولكنها من انباء ما حدث، وعاصر (نزول الرسالة) وتعتبر لنا اليوم من انباء ما قد سبق، وجلها مدنية، مثل النصر، المنافقون، الصف، الحجرات.
الخريطة الجغرافية للقصص القرآني ان تتبع المناطق التي ذكرها القرآن الكريم والشخصيات الواردة في القرآن، والاحداث، والاقوام والشعوب التي تم سردها او الاشارة اليها في الكتاب الكريم. وتحديد مناطقها، ورسم خريطتها، سوف يشكل العقل الجغرافي والسياسي والتاريخي، لثقافة المسلم في ذلك الوقت، عصر النـزول وتمثل اليوم الخلفية الثقافية الفكرية والدينية لمسلمي العصر. ان نظرة عامة لهذه الخريطة، في تفاصيلها المختلفة، اذا تعاملنا معها في وقت نزول النص، وفي اجواء الصراع، وتحدي قريش وسطوتها، وعمق هذه المواجهة وتباين فئة الصراع وميزان القوى، يمكن ان تشخص بدقة وعمق اية ذهنية واسعة وعميقة خارطة، واسماء المناطق التي كان يحملها مسلمو العصر الاول، الذين حملوا رسالة السماء الى شعوب بالمنطقة. * المناطق التي ذكرها القرآن الكريم
انتهينا الى ان القصة في القرآن لها معنى اوسع مما هو معروف في الكتابات الادبية، ولذا فلا نجد اركاناً، ولا موضوعاً للقصة وفق المصطلح الادبي في القصص القرآني الا في مواضع محدودة. كقصة يوسف، وقصة موسى بمجموعها، وفي قصة آدم، اما القصص الاخرى، كقصة نوح وابراهيم او اصحاب الكهف، او غيرها فيمكن عدها ضمن اسلوب القصة القصيرة، او عرض لمشاهد تاريخية. لها دلالاتها وعبرها الشرعية او الرسالية او الجهادية. واذا تمعنا في القصص القرآني، في الشكل الاول، كقصة موسى ويوسف، نجد ان القرآن الكريم اطال ذكر هذه القصة وفصّل فيها كثيراً، وتعرض لخصوصيات ابطال القصة الرئيسيين [يوسف وموسى]، مما يعني ان نسبة ليست قليلة من الآيات اذا جمعت تناولت امراً من مجموع الجهد القرآني، والعطاء الرباني، في هذا الموضوع، وبقصد التفصيل والاطالة. السؤال الذي يطرح، هل ان الغرض من التفصيل، وصرف هذا الزخم من الآيات في هذا الموضوع لهدف استهدفه القرآن في عهد النزول وبخصوص المجتمع المكي او المدني ولظروف فرضتها عملية المواجهة في ذلك الوقت، كأن يقال: ان موضوع قصتي يوسف وموسى، يحكي قصة الرسول المستضعف المطارد واليتيم، والمستخدم، والقريب، والمشرد، والامة المتضررة والمستضعفة المحكومة، وتحكي قصة الذي صبر وواجه، وتحدى، وانتصر على اعتى قدرة حاكمة ومنظمة ومقتدرة، ومعروفة في ذلك العصر، سواء باسلوب الكفاءة والذكاء والحكمة كما هو حال يوسف، عندما حول الحكم الفرعوني، الى التوحيد، او في قصة موسى التي استطاعت الجماعة المستضعفة المطاردة والفقيرة، والمظلومة ان تنتصر على عدوها وفرعونها، بالهجرة، وبسيادتها، وتحكمها وقدرتها. وهذه الرسالة الممثلة بانتصار المشرد المستضعف، وقدرة الامة المطاردة، مهمة جداً ومؤثرة وهناك حاجة ماسة لتأكيدها، وتعزيزها في النفوس، مما يستدعي ان يصرف القرآن الكريم جهداً ملحوظاً وبآيات عديدة وسور كاملة لهذا الموضوع ولتحقيق هذه الرسالة. ام ان الهدف القرآني والرسالة التي تحملها هذه القصة هي اكبر من زمن النزول لتشمل هدف الرسالة القرآنية عبر الزمن، وان هذا الحجم من الآيات الكريمة، وهذا الجهد القرآني اراد ان يحفر في ذاكرة الزمن وعبر العصور هذه الحقيقة الاستضعاف، والتحمل، والانتصار، باسلوب قصصي وادبي رفيع يمس خصوصيات الانسان ومشاعره وحياته سواء في موضوع الابوة (في يوسف) او الام (في موسى) وفي تفاصيل حياته في فترة المراهقة والشباب ومشاكلها الخفية وغيرها، او في فترة الرجولة والقدرة وابتلاءتها او فترة الحكم والقدرة، فهي دورة حياة متكاملة ومتشعبة وفصولها مختلفة واحوالها متعددة وباسلوب قصصي شيق ومثير وجاذب ومؤثر، سواء عبر الاشخاص او الاحداث، او الظروف المحيطة وبأسلوب الاثارة، والتحدي، والعقدة، وتدرجها، في نشوئها وحلها، مع اشارات الى مفاهيم وقيم قرآنية عميقة من التوكل، والتسليم والثقة بالله، والتخطيط الرباني وتدخله في مفاصل الاحداث عبر قانون التقدير واللطف الرباني، ومفهوم الصناعة الربانية للشخصيات {واصطنعتك لنفسي} ومدلول هذا اللطف الالهي، مدرسة متكاملة، سواء على صعيد بناء الفرد، او الجماعة او الحدث، او مسيرة الرسالة. وهذه المفاهيم، نموذج تطبيقي واضح، وجميل ومؤثر وواقعي، ومعروف يذكره القرآن، عبر الزمن ولكل الاجيال كنموذج الهي، انساني مؤثر. منابع الرحمة واللطف الالاهي في حياة الانسان، ويمس كل خصوصيات الانسان النفسية وفي كل مراحل حياته من الطفولة الى الرجولة، بالمراحل المختلفة. ان الحاجة الى الوجود التمثيلي والنموذج التطبيعي للرسالة والفكرة مسألة ليست مرتبطة بزمن او مرحلة او طرف، انها حاجة مستمرة وموضوع ملح ملازم للبناء الفكري، والثقافي. وليس هناك اروع واجمل ما ذكره القرآن في اسلوبه القصصي الشيق، وبخصوص هاتين التجربتين الربانيّتين لشخصيتين ولمجتمعين ولجماعتين استطاعتا ان تخطا في التاريخ والواقع، وبتفاصيل دقيقة، لهاتين التجربتين، وفيها في الدروس الرسالية والعقائدية والتطبيقية والتخطيطية والجهادية الكثير الكثير، للاستفادة منها في كل عصر، وفي كل مجتمع.
يمكن ان نتناول هذا الموضوع في فترة نزول القرآن الكريم لنرى ايّ حدث، او موجة، وصدى احدثه القرآن الكريم باعتماده المنهج القصصي سواء باسلوبه المتميز او بمواضيعه المختلفة المتعلقة بالانبياء، من المهم تشخيص الاجواء الثقافية التي تتعلق بالتاريخ وثقافة الشعوب، وقصص السابقين التي كانت سائدة في فترة النزول. ان مما يذكره المؤرخون ان العرب كانت تذكر ايامها (بمعنى الاحداث المؤثرة في تاريخهم عبر قريحة الشعراء، او بما يسرده القصاصون، عما حدث في منطقتهم وايامها او اخبار الشعراء او الحروب الداخلية ومواقف لاشخاص، وتأتي عادة ضمن سياق الفخر والاعتزاز بالقبيلة او ضمن سياق الذم للاخر سواء كانت قبيلة او شخصاً او قوماً وهجائهم. هذه كانت ثقافة ذلك العصر، ويمكن اعتبار دار الندوة وسوق عكاظ مجالاً لطرح مثل هذه الامور ومجالاً لتبادل المعلومات، والاراء حولها. ان المقارنة بين هذه الثقافة السائدة ومواضيعها وخصوصياتها المحدودة بالاشخاص او المواضيع، او المغزي الذي تحمله والذي يقتصر على المفاخرة والهجاء، او ذكر احداث وايام العرب وحروبها وقبائلها التي رصدها القرآن الكريم وانتقدها وحذر منها كما اشارت سورة التكاثر اليها حيث عرضت ظاهرة التفاخر بين العرب التي دفعتهم لزيارة القبور لتعداد أي قبيلة اكبر. ومقولة الرسول "ص" الشهيرة عندما وجد شخصاً يتحدث عن ايام العرب [قصص القبائل واحداثها] واجتمع المصلون والصحابة حوله، اشار الى ان هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله، أي علم ليس له قيمة واثر بحساب المنفعة بكل اشكالها في مقابل ثقافة القرآن، وما يذكره عن القبائل والشعوب وانبائهم واحداثهم وقصصهم وما تحمله من بطولات وقيم واحداث، بسعة الانسان وحجم رسالات السماء، وعمق التاريخ من آدم الى الخاتم.
يبدو ان طبيعة الانسان وميله الى القصة كأسلوب ممتع جاذب ينسجم مع الفطرة الانسانية التي تتفاعل مع الحدث او الشخص والموضوع المحور المصور اكثر من تفاعلها مع الفكرة والمثل والقيم المجردة. كما ان طبيعة الانسان من تتبع المجهول واستكشافه ومحاولة ايجاد فرضيات مترابطة تهدأ لها النفس وتقنع بها في بحثها عن الاسباب التي تقف وراء الاحداث والمواقف والالغاز، ورابطة بينها بسيناريو واخراج متكامل. ان هذه الطبيعة استغلها بعضهم، سواء من داخل المجتمع الاسلامي كـ"الحكام" او من خارجه ـ كاليهود ـ وللاستفادة منها في دس احداث او اخبار وانباء لرسم الاطار والاجواء والظروف التي لم يتطرق لها القرآن في ذكره لبعض القصص او الاحداث مستكملين بها ما ذكره القرآن من قصصها. ابتدأً من خلق الكون الى خلق الانسان الى احداث التاريخ. ولما كان بنو اسرائيل يتفاخرون على المسلمين بما عندهم من قصص للانبياء واكثرهم من ابناء اسحاق"عليه السلام"، ومن الاسرائيليين فكأن انتسابهم لهم اعطاهم الحق والاولوية في معرفتهم بانبيائهم وقصصهم، في وقت منع بعض حكام المسلمين من عرض الثقافة الاسلامية من منابعها الصافية او الاخذ بما اشار اليه القرآن الكريم والرسول الامين "ص" من التحرز من الاخذ بالثقافة الدينية السائدة عذرهم لانها غير دقيقة او صادقة، ولحرف الناس عن العلم عند اهل البيت فاعتمد بعض الحكام علماء اليهود الذين تلبسوا بالاسلام والسماح لهم بصعود منابر المسلمين والتحدث بحرية عن ثقافتهم ومعلوماتهم فيما ذكره القرآن مقتضباً من خلال ثقافة التوراة المحرفة والمزورة. وبذلك دخلت الثقافة الاسلامية عبر التفسير وقصص الانبياء الاسرائيليات والقصص المزورة عن الانبياء وتم تداولها في ثقافة المسلمين، وبروح بعيدة وغريبة عن قيم القرآن الكريم واهدافه، بل بالعكس منها تماماً. وهذا انحراف خطير في الثقافة الاسلامية والفكر الاسلامي من اهم موقع فيه وهو القرآن وتفسيره وقصصه ما زلنا نعيش تبعاته الخطيرة الى هذا اليوم.
ان من أبرز سمات ثقافة العصر اليوم هي القصة سواء المكتوب منها، او الممثل في المسرح، او التلفزيون، او الافلام، او عبر الرسوم، وافلام الكارتون. ان شيوع القصة، بكل اشكالها والوانها، القصيرة والطويلة والشعرية والافلام . وشيوع الافلام، وعدها من اعلى انواع الفنون واكثرها ربحاً يكشف حجم وسعة الاهتمام العالمي، بالقصة ويدل على مدى تأثيرها وارتباطها بحياة الناس افراداً وشعوباً وجماعات . ان القصة من اكثر وسائل الايضاح والتأثير في سلوك الافراد، ان تحول الغناء الى قصة، او تحول القصة الى اغنية يؤشر الى عمق اثر القصة في حياة الشعوب. ان الساعات التي يقضيها الانسان امام التلفزيون، وخصوصاً في رؤية الافلام او الاحداث او تتبع الاخبار كلها تقع في دائرة، تتبع وتقصي ما حدث. ان ظاهرة المسابقات العالمية للافلام باعتبارها شكلاً من اشكال القصص واكتضاض المكتبات بالقصص المحلية والمترجمة من مختلف اللغات بحيث اصبحت القصة الثقافة المتبادلة بين الشعوب والحضارات والصلة للتعارف والتعايش بين الاقوام، وبروز كتاب القصة كشخصيات عالمية معروفة عبر القارات ولهم التأثير الكبير على مختلف القراء حتى غدواً رموزاً وطنية وعالمية يفتخر بها تفوق شهرتهم شهرة العلماء والفلاسفة والابطال السياسيين كل هذه الظاهرة تؤثر وتؤكد عمق تأثير القصة وسعة انتشارها في الحياة الانسانية وخصوصاً حياتنا اليوم.
اذا استعرضنا القرآن الكريم وتتبعنا ما اورده سبحانه من اساليب ومواضيع قريبة من القصة اسلوباً وموضوعاً. واذا اخذنا القصة بمعناها الديني الواسع، بمعنى قص الخبر والحدث والانبياء، فيمكن ان نجد نماذج قريبة من القصة، ومنها: 1ـ الامثال/ من اساليب القرآن الكريم في التعريف بالقيم والافكار هو ضرب الامثال التوضيحية، فيها تشبيه وتجسيد لمعنى الفكرة او القيم المطروحة، واستخدم القرآن اسلوب المثل كثيراً سواء تشبيهاً بالجماد او الثبات او الحيوان او الانسان. [كالحجارة، كالشجرة، او كالكلب، او كالعبد.] وان طبيعة الامثال ان الصورة التي يذكرها تبقى في الذهن، وتجسد المعنى بشكل اكثر حيوية في النفس.
الانباء وهي الاخبار عن الاحداث، وسرد وقائعها او الاشارة اليها او الاشارة الى الحدث، او الموقع، وذكر الخبر المرتبط به، فهو ليس قصة، لانه لا يحتوي على عناصر القصة المتعارفة في الادب القصصي، لكن يحمل معنى القصص لان فيه تتبعاً للخبر والحدث، وفيه ذكر مفصل او مجمل لما جرى فهو يشبه عرض نشرة الاخبار في عصرنا الحاضر، او ذكر ايام العرب او احداث او انباء القبائل في ذلك العصر. فالقرآن ذكر نبأ غلبة الروم على الفرس، وما فيه من قيم، واثر نفسي على المؤمنين المستضعفين، او انباء حديث لقمان مع ابنه، او نبأ هارون مع قومه. انباء واحداث يمكن ان تشكل صورة، لواقعة، تحمل في طياتها افكاراً وقيماً ومشاعر واحاسيساً، لكنها ليست قصة بالمعنى الحرفي لها، وقد تكون قصصاً بالمعنى اللغوي والعام لها.
تعرض القرآن الكريم بشكل جلي وواضح ومكرر لقصص الانبياء عليهم السلام وذكرهم تكراراً ومراراً. كما تعرض لانباء القرى وبذلك يمكن القول ان هناك موضوعين رئيسين في القصص القرآني هي: أـ محور الانبياء كأبطال يذكر القرآن الكريم محوراً رئيسياً لقصصه هم الانبياء عليهم السلام سواء يذكر مفصل ودقيق وموسع، او مجمل ومقتضب، لكن يبقى المصلحون الانبياء هم محور القصص وابطالها. ان فكرة البطل فكرةانسانية نعيشها يومياً، ويمكن درجها في خصوصية الفطرة الانسانية في ميلها الى البطل والرمز والناجح، للتأسي به وتقليده والرجوع الى سياقات القصص والافلام والمسرحيات المتداولة تجد ان موضوع البطولة محورها الرئيسي، وفي القرآن نجد البطل واضحاً في قصة يوسف وموسى وابراهيم ..وغيرهم. ب ـ محور الشعوب والدول : {تلك القرى نقص عليك من انبائها..} ان القرآن كما تعرض للانبياء كمحور لقصصه وركز عليهم، فانه تعرض من جانب اخر الى القرى والمدن والمجموعات السكانية (الشعوب والاقوام) ومواقفهم واعتراضاتهم وطريقة تعاملهم مع المصلحين الانبياء ودور الملأ ومشاوري السلطان وقسوتهم واجرامهم، وكيفية نهايتهم، والعبرة من ذلك. وفي ذلك رسالة واضحة لمجتمع قريش ولكل الشعوب او الدول (القرى) التي يكون لها مثل هذا الوقت. وبذلك يمكن القول ان القرآن لم يعتمد نظرية البطل فقط وانما كانت له نظرة متكاملة للاحداث والتاريخ حيث لم يغفل دور الناس والاقوام والشعوب ومواقفها في رسم الاحداث ومسار التاريخ، عند الاشارة الى السنن التاريخية والتدخلات الربانية
مما لا شك فيه ان كثيراً من احداث الانبياء والرسل قد تعرض لها القرآن الكريم ، كآدم ونوح وابراهيم، وموسى، وغيرهم وفي اكثر من سورة، فهل هذا الذكر للانبياء في اكثر من سورة هل هو تكرار للقصة، ام ان هناك امراً اخر في الموضوع؟ وهنا يمكن ان تدرج الملاحظات التالية حول هذه الظاهرة والخصوصية، بما يلي: أولاً:ـ على فرض ان هناك تكراراً بمعنى ذكر القصة او الحدث او الموضوع اكثر من مرة في تفاصيله وموضوعه، فان الحكمة في ذلك، تعود الى اهمية الموضوع او الحدث الذي جرى تكرار ذكره، وهي اشارة ربانية لخصوصية هذا الحدث او الموضوع بما يفرض على الانسانية ان تقف عليه اكثر من مرة ودراسته من اكثر من مدخل ورؤية. ثانياً:ـ يجب دراسة مدخل ذكر القصة، في الاسلوب القرآني في عرضه لمحتواها، فيمكن ان يستفاد من القصة نفسها لكن بتركيز على نقطة او حادثة تختلف من مرة الى اخرى مما يستدعي ذكر القصة او الشخصية مراراً، فتارة يركز على بطل القصة، وتارة يركز على اجواء الحدث، وظروفه، وتارة اخرى يركز فيها على المشكلة او العقدة، او على رسالة القصة. ان تعدد مداخل ذكر القصة، او تركيز الضوء على جوانب متنوعة من القصة لا يعد تكراراً، ابداً، بقدر ما هو اعادة نسج الموضوع، او صياغته او عرضه، او فهمه بما يتناسب مع سياق السورة او الفصل القرآني وعرضه. وكل هذا لا يعتبر تكراراً، وانما طريقة فنية في العرض تناسب اغراضاً واهدافاً متعددة لذكر هذه القصة. ثالثاً:ـ قد يكون هذا الذكر المتكرر لبطل القصة، هو سرداً متكاملاً، لهذا الحدث ولكن في مواقع مختلفة ويكمل بعضه بعضاً، وبمجموعه تستكمل احداث القصة في فصولها المختلفة، كما نجد ذلك في قصة آدم، وموسى، وابراهيم، وغيرهم، حيث ان جميع الآيات التي تخص كل نبي، توصلت الى سرد كامل للحدث وللشخص الرسول او النبي بصورة مترابطة متكاملة. وان عرض هذه القصة بشكل مقاطع ومبثوثة في سور القرآن الكريم مفيد لان موارد الاستفادة منها متعددة ومن جوانب مختلفة كما اشرنا في الفقرة ثانياً.
احداث حفرها القرآن في الذاكرة [المجتمع القرآني في توثيق احداث السيرة اليومية] ان نزول القرآن منجماً، وتسجيله للحوادث التي كانت سبباً لنـزول الآيات وتوثيقه للحوادث المهمة في تاريخ الدعوة الاسلامية وحياة الرسول الكريم، وجهاده وادارته، وقضائه بمجموعها تعتمد منهج التعريف بالافكار والاحكام والقيم من خلال الشخوص والاحداث والاماكن والقصص لتعيش في ذاكرة المسلم وثقافته، ومعلوماته، ومن خلال هذا المنهج تبدو الآيات واسباب نزولها، والآيات بما سجلته من احداث افلاماً تسجيلية تحكي التاريخ، والواقع ، بطريقة موثقة وترسم صورة لحياة فكرية ولمسيرة امة، وتسرد قصة الصراع والمكابدة في بناء الانسان والمجتمع، بناءً ربانياً وكريماً . يسجل القرآن في سورة المدثر وسواها نماذج الحوار والصراع والوان التعذيب النفسي والجسدي ومؤامرات قريش، وشبهاتهم، ومبرر الجهاد وحمل السلاح، وتوثيقه لمعارك الاسلام الخالدة من بدر واحد والخندق وغيرها الى مواجهة لظاهرة التفافهم واساليبهم واشاعاتهم وبذر الخلاف بين المسلمين واضعافهم، ومن جانب آخر تسجيله لحواراته مع اهل الكتاب، من اليهود والنصارى ومباهلتهم، الى مواقف متعددة في حياته الخاصة مع ربه ومع الناس، وفي بيته ، ومواقف راقية سجلها القرآن الكريم بشأن الشخصيات المتقدمة من اصحابه، او لحياة خاصة لهم سجل حافل متعدد الاوجه والجوانب والمجالات كلها قصص وانباء وسجل اخبار لكنه ايضاً دروس ورسائل وعبر تشريعية وعقائدية وقيمية بعث بها المجتمع الاسلامي عبر العصور المختلفة.
ومن جانب اخر فان ما ذكره القرآن الكريم من [انباء ما قد سبق ] كذلك نقص عليك من انباء ما قد سبق، وما يوحيه مفهوم "قص" كتتبع للحدث تمثل الثقافة السياسية والحضارية لمتابعة الاحداث والوقائع وتجارب الشعوب قصصاً ادبية، ولا امثالاً شعبية، ولا معلومات تاريخية، او ثقافة تربوية وانما هي رؤية وبناء فكري وثقافي لفهم العصر، ومجرياته ومعرفة الواقع وعطائه الفكري والسياسي وتسجيل للتاريخ بما ينفع لكل عصر.
بتصفح الكتاب الكريم، وبطريقة عشوائية وبصورة متعددة سوف نجد ان نسبة 60 ـ 70% من عدد الصفحات المطالعة تتناول موضوعاً فيه ذكر نبي، او اشارة لحياته، او لقرى نزل عليها العذاب، او لمناقشة او حوار بين نبي وبين قومه، خطاب ورد خطاب، مما يدل على ان اسلوب القرآن في عرضه لافكاره ومفاهيمه وتصوراته وحلوله، وتحليلاته اسلوب الحوار والحركة والحدث، والفعل ورد الفعل واعتمد المناقشة والخطاب، وذكر الاشخاص، والاماكن والاقوام، والمواقع، وكلها بمجموها تمثل تسجيلاً وثائقياً، ورائعاً لسجلٍ تأريخي وواقعي لمسيرة حركة الايمان والتوحيد على الارض، وكل ذلك التسجيل والتوثيق والعرض والذكر هو في عرف القرآن، قصص، وقص، لانباء القرى، واخبار الانبياء. ان هذا الاسلوب والنهج القرآني في عرض افكاره ومفاهيمه، عبر القصص والتسجيل الوثائقي والايضاحي وتميزه بهذه الطريقة عن الطريقة البحثية الاكاديمية، المتعارفة في عرض الافكار والتعريف بمفاهيمه يمكن ارجاعه لخصوصيته الرسالية، وهدفيته الاصلاحية ومخاطبته عموم الناس بكل اطيافهم وليس نخبة علمية خاصة. من كل ذلك، نجد ان منهج القرآن، في استخدام القصة، موضوعاً، او اسلوباً، يمثل عمدة الاسلوب القرآني، الا بما تعنيه القصة في المصطلح الادبي او المسرحي، وانما في بعده التسجيلي والاخباري والوثائقي. اي ان القصة تعني النبأ والخبر والحدث الذي يعم الحياة الفكرية والانسانية وسيرة صراع المصلحين مع الظالمين، وذكر جهادهم وصبرهم، انه يمثل الاخبار السياسية اليوم التي تهم الوكالات والفضائيات والجرائد والاخبار العامة التي تأخذ من وقت الناس الكثير وتشكل جزءاً من تركيبتهم الفكرية والنفسية، وتؤثر على اتجاهاتهم، انها ليست القصص المتعارفة في المسارح والافلام، والسينما، وان كانت بعض القصص القرآنية تحسب على ذلك.
[1] (الراغب الاصفهاني 404) |