بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة الشيخ د. همام حمودي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، ورئيس لجنة مراجعة الدستور،  في الدورة 118 للأتحـاد البرلمانــي الدولــي   /   كاب تاون /  جمهورية جنوب أفريقيا    

 

 السيد رئيس المؤتمر الموقر

السيد رئيس الاتحاد البرلماني الدولي المحترم

السادة رؤساء مجالس النواب والوفود المحترمين .

السلام عليكم ورحمة الله.....

بداية أود ان اشكر دولة جنوب أفريقيا على حسن استضافتها للمؤتمر الثامن عشر بعد المئة لاتحاد البرلمانات العالمية ، كما واود ان اشكركم على ترحابكم الطيب بعودة العراق كعضو في اتحادكم الموقر بعد غياب دام اكثر من 15 سنة . اغتنم هذه الفرصة في اول اطلالة للعراق بعد هذا الغياب ان اقدم لكم عرضا مختصرا لاهم التحولات والتغيرات التي طرأت على زميلكم العراق، وما هي اهم معالم العراق الجديد..

قال الله تعالى في قرانه المجيد (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس )) صدق الله العظيم

الانسان يتحمل مسؤولية الظواهر السلبية التي يعيشها عصرنا ومجتمعاتنا من فقر ، تفاوت ، عنف ، وحرمان وبؤس ،ولايمكن رد هذه الظواهر للطبيعة التي جعلها الله معطاءة وكريمة لكل من حاول استثمارها والاستفادة منها ((واتاكم من كل ما سالتموه)) كما قال الله تعالى .

وفق هذه الحقائق ينبغي على المجتمعات ان تعيد النظر في أوضاعها وبرامجها ومناهجها ووسائلها الادارية والاقتصادية والقيمية ، من اجل تجاوز مشاكلها وضعفها وفقرها وغيرها من الظواهر السلبية.

ولعل من النماذج الواضحة التي تؤكد حقيقة ما اشرنا اليه هو وضع العراق في عهد النظام الدكتاتوري التسلطي السابق : ان الانظمة الدكتاتورية قد تنجز بعض التقدم الا ان طبيعة هذه الانظمة تكون دائما اخطائها قاتلة ومدمرة لنفسها ولغيرها كما يشهد التأريخ على ذلك.

ان العراق الذي حباه الله بطبيعة معطاء سواء بالنفط او المياه او المناخ او الموقع الجغرافي ، نجد ان النظام الدكتاتوري وبسبب حماقاته بدد كل هذه الخيرات وحول العراق الى بؤس وخراب وحرمان .. وادخل المنطقة في أزمات حادة ما زالت تعاني منها.

لقد ورث الوضع الجديد في العراق اخطاء الدكتاتورية واثارها السلبية على الانسان والمجتمع والاقتصاد ، كما ورث الوضع الجديد اثار الاحتلال والتدمير وسلب السيادة .. مما دفع كل ابناء الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية ، وكل حسب وجهته وبكل الوسائل المتاحة ليناضل في اعادة بناء العراق ، وتحقيق كرامته وحقوقه وعلى اساس المشاركة الواسعه لكل العراقيين في رسم نظامهم السياسي ، واحترام حقوق الانسان والعدالة والمساواة.

سيداتي سادتي ...

اسمحوا لي ان احدثكم عن التجربة العراقية.. بما لم يحدثكم به الاعلام عن العراق، لان الاعلام يبحث عن الاثارة ويتابع ظواهر الامور..وسوف اوجز لكم الوضع العراقي وتطوراته عبر هذه المحاور :

 

اولا :المحور السياسي وبناء الدولة:

لقد سعى الشعب العراقي و من خلال حشوده الجماهيرية وتظاهراته وبطولاته أن يفرض على المحتل خريطة طريق تنتهي بتشكيل جمعية تأسيسية ، وكتابة دستور يصوت عليه الشعب مباشرة ، وانتخاب مجلس النواب وتشكيل حكومة وفق هذا الدستور وبأشراف وحضور فاعل للأمم المتحدة .... تمهيدا ومقدمة لنيل العراق كامل سيادته واستقلاله ، واستطاع الشعب العراقي الأبي رغم اجواء العنف والقتل وغياب الامن ان يشارك في ثلاثة انتخابات واستفتاء على الدستور وخلال سنة واحدة تقريبا وكان هناك حرص شديد على مشاركة كل المكونات والاطياف في بناء النظام السياسي الجديد مما فتح الباب لاعادة النظر واجراء التسويات في كل الخطوات ابتداءا من الدستور ومراجعته ، مرورا بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية ، وانتهاءا بمراجعة القوانين المختلفة

انتخب الشعب العراقي برلمانا بانتخابات اشرفت عليها الامم المتحدة ..و يمثل النساء ربع اعضاء مجلس النواب على اقل تقدير وهذه النسبة لايمكن تجاوز حدها الادنى وتعتبر اعلى نسبة في مجالس نواب المنطقة والوطن العربي كما ان مشاركة المرأة فاعلة في البرلمان عبر لجانه ووفوده .

وساهم البرلمان بدوره الكبير في التشريع حيث شرع وراجع اكثر من 100 قانون ، ومارس دوره في الرقابة واقرار التعيينات المهمة في الدولة.

علما ان دستورنا لايسمح بحل البرلمان الا ان من قبل البرلمان نفسه ، كما هو الحال في دستور جنوب افريقيا ، وبذلك اعطى الدستور حصانة للبرلمان ليمارس دوره دون ضغوط او تهديد من اي سلطة...

ان العراقيين مقبلون على انتخابات جديدة في العام القادم لانتخاب مجلس نواب في دورة تشريعية ثانية وايضا انتخاب (مجلس اتحاد) ، كغرفة ثانية للتشريع.

كما وستجرى انتخابات في نهاية هذه السنة لانتخاب مجالس جديدة للمحافظات وفق نظام انتخابي جديد نأمل ان يحد من التخندق الطائفي او القومي ، كما نأمل ان يصوت الشعب على التعديلات الدستورية اعلاه.

اما على صعيد الامن فيمكن القول ان هناك تقدما طيبا في بناء قوات الامن والجيش وانحصر الارهاب في مناطق محددة

 

المحور الثاني : الحريات والحقوق :

في العراق الان اكثر من 30 قناة فضائية تعود للأحزاب والنشاطات السياسية وبجنبها ما يقارب مئة صحيفة يومية واسبوعية فضلا عن القنوات التلفزيونية والصحف المحلية في المحافظات في حين ان الحكومة لاتملك قناة او صحيفة ولا يحق لها ذلك.

ان هذا الحجم الكبير من المؤسسات الاعلامية يمكن اعتباره فعلا سلطة رابعة قوية فاعلة تمارس دورها في النقد والرقابة ومتابعة اجراءات الدولة خطوة خطوة ، ان الدستور ضمن حرية الصحافة والتعبير ، وحرية الاطلاع ، واستحصال المعلومات وكل الاجهزة والمؤسسات خاضعة للمساءلة والشفافية ومن اكثر من جهة دستورية ، قانونية ،كالبرلمان ، ومفوضية النزاهة ، والصحافة.

كما ان هناك اكثر من ثلاثة الاف منظمة مجتمع مدني وفي مختلف المجالات لاسيما منظمات حقوق الانسان والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة.

ان جميع مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية تمارس حرية التعبير الكامل عن ثقافتها ولغتها ودينها ومعتقداتها وشعائرها ... عبر اجواء من الحرية كفلها الدستور.

 

المحور الثالث ، المحور الاقتصادي :

عانى العراق وشعبه حصارا اقتصاديا وسياسيا خانقا بسبب حماقات النظام السابق وتجاوزاته على القانون الدولي .. وزاد من معاناة العراقيين التدمير الذي خلفه الاحتلال والفوضى التي اوجدها والاخطاء التي ارتكبها ،، مما زاد من معدلات البطالة ، والفقر . وهرب رؤوس الاموال ، تدمير البنى التحتية ، غياب الرقابة و التخطيط والانفتاح غير المدروس على اقتصاد السوق دون مقدمات وأسس اقتصادية متينة . كل ذلك كان له اثار وخيمة على مسار النمو الاقتصادي مما رفع معدل التضخم الى 60% .

يسعى العراق اليوم لاعادة هيكلة اقتصاده وفق اسس جديدة لم يحسم الحوار حولها وان رسمت وحددت اتجاهاتها ، لقد كان للبرلمان دورا مهما في دعم القطاع الزراعي والصناعي في موازنة عام 2008 التي اقرت مؤخرا ، وكذلك في اصدار قانون لدعم الصناعات النفطية واصدار قانون للأستثمار فتح فيه العراق ابوابه للأستثمار الاجنبي ليأخذ دوره في بناء البلد وفق خطة تضعها هيئة عليا للأستثمار .

ان الدستور العراقي كان واضحا في تحديد ملكية وطريقة توزيع عوائده اذ نص الدستور على أن النفط ملك الشعب العراقي وتوزع عوائده بالتساوي على كل العراقيين والبرلمان بصدد وضع قانون للنفط يستند على هذه المبادئ ويفتح فرصا للأستثمار فيه و برقابة برلمانية.

ان ثروة النفط والمياه هي عاملا استقرار العراق ووحدته ان وزعا بصورة عادلة وشفافة ، فالنفط من الجنوب والمياه من الشمال والغرب ، وبتبادلهما نؤسس لوحدة عراقية غير قابلة للأنفكاك مبنية على أسس اقتصادية متينة وعادلة.

كما وضعت الحكومة وبالتعاون مع البرلمان عهدا دوليا (بين العراق والدول المانحة) ، يربط ما بين التعاون الدولي في مجال التنمية الاقتصادية ، وما بين التنمية السياسية وتوسيع المشاركة السياسية واحترام حقوق الانسان وتوزيع عادل للثروة.

ولعل هذا العهد الدولي نموذجا طيبا يمكن ان يحتذى لدور المساعدات الخارجية الايجابي في دعم البناء الديمقراطي وحقوق الانسان وتحقيق العدالة في الدول حديثة العهد بالديمقراطية.

نحن نتطلع باهتمام بالغ لاسيما بعد تصاعد صادرات النفط العراقي وقيمته ، الى مشاركة كل الدول والشركات في اعمار العراق وفق ميزانيته الجديدة والتي تبلغ اكثر من 50 مليار دولار ، او عبر الاستثمار فيه وفق أسس مضمونه ومربحة . بما يساهم في تعزيز نمو المنطقة واستقرارها وازدهارها.

 

المحور الرابع : المصالحة الوطنية ومواجهة الإرهاب :

لقد شاء الله ان يكون العراق في هذا الموقع الجغرافي الحساس ، وان تتنوع مكوناته الدينية والقومية والمذهبية ، عربية كردية تركمانية ،سنية شيعية ، مسيحية وصابئية وايزيدية وغيرها .. ان هذا التنوع السكاني عامل ضعف وتمزق ان تمحور فقط حول ذات الطائفة والقومية ، وهو عامل قوة اضافية ان انفتحت هذه المكونات عبر امتداداتها الواسعة باتجاه خدمة العراق وبناءه وتعزيز وحدته وقوته.

لقد ساهم احتلال العراق واستمرار وضعه تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، والحظور الواسع للقوات الاجنبية ، في اثارة مخاوف المنطقة وعدم استقرارها . وأصبح العراق بسبب ذلك قاعدة متقدمة للأرهاب الدولي . وغدى ساحة مفتوحة للمجموعات المسلحة المختلفة وقد سعت جهات عدة لادخال العراق في اتون حرب طائفية مقيتة لافشال التجربة الدستورية الديمقراطية. وكادت ان تنجح مساعيهم الخبيثة بعد تفجير المرقد المقدس للأمامين العسكريين في سامراء ، لولا وقوف مراجع الدين والعلماء وشيوخ العشائر والقوى السياسية صفا واحدا بوجه الاحتراب الطائفي ، لتعيد اللحمة بين ابناء الوطن والدين الواحد. وتجاوز العراقيون والحمد لله ما كان يشيعه الاعلام عن حرب طائفية او تقسيم وما الى ذلك .

اما على صعيد المصالحة السياسية ، فهناك حوارات جادة لايجاد تسويات من شأنها ان تساهم في تحقيق مزيد من المشاركة في ادارة البلد وتجاوز السلبيات السابقة وعلى هذا الصعيد فقد تم اصدار العديد من القوانين والقرارات مثل : (قانون المسائلة العدالة ، قانون العفو العام ، قرار تشكيل المجلس التنفيذي ، ولجنة مراجعة الدستور)...

واخير

فان العراق سيبقى واحدا موحدا بقرار شعبه ووفق ارادتهم وعبر ممثليهم عندما يجد العراقيون كل العراقيين انهم يعيشون بحرية وكرامة وعدالة على ارضهم الغنية ، وبغير ذلك لا نضمن سوى وحدة تستند على القهر والغلبة.

العراق سوف يبقى فاعلا في محيطه العربي والاسلامي وسوف يحافظ على هويته وانتمائه بأصرار ابناءه.

العراق الجديد ساحة واسعة للحوار والتفاهم والتعاون والسلام والانفتاح على الجميع من اجل خير المنطقة والعالم.

سيعود العراق مصدر الهام وابداع حضاري وانساني خير وبناء وكما عرفتموه ، وكما كان عبر تأريخه الماضي العتيد.

العراق يرحب بكم جميعا اعضاء مجالس النواب المحترمون .. لتتطلعوا بانفسكم على التحولات المهمة والتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي تجري الان في العراق وبنضال شعبه وجهادهم . وتتعرفوا على كفاحه ومعاناته من اجل بناء تجربته الدستورية ونيل سيادته الكاملة وسعيه الحثيث لتحقيق الامن والازدهار والسلام ..

نحن نجدد ترحابنا بكم جميعا وننتظر قدومكم ...

شكر لكم على استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله